• منذ أمد بعيد، كنت وبعض الإخوة، طلبة ومثقفين، في محضر أحد العلماء الأعلام المشهود لهم بالفضل والتقوى، وقد دار حديث حول دعاء تُقدَّر له الإجابة، ماذا عساه أو ينبغي أن يكون في خيار المؤمن؟ لفتني أن هذا الورع الحكيم اختار “أن لا يُخدع”، لا عن دينه ولا عن معاشه، لا من حاشية تحيط به، ولا فضاء وحال يصنع حوله أجواءً تطوِّقه ونطاقاً يحاصره ويفتنه. نقلتني الكلمة وأخذتني للتفكُّر والتأمل، وما زلت في هذا منذ ثلاثة عقود على سماعها من هذا العالم الجليل. في المقابل، ومنذ عهد قريب، نحو ثلاث سنين مضت، التقيت أحد الفقهاء الأفذاذ، ممن لا يُشكُّ في علمه وورعه، كان يفخر ويحمد الله أنه لم ينشر فتوىً أصدرها في ضلال فضل الله! ويرى ذلك من التسديد الإلهي والهدي الغيبي، وأنَّ الله ساق ابنه ليحول بينه وبين ذلك بطريقة عفوية، وصدفة خير من ألف تدبير وميعاد! الرجل فوَّت مُزنة أو ديمة، سحاب ثقال بغيث غزير كان سينعش ميت حقله، حتى يخضر زرعه وتينع ثماره، ويحين حصاده: مقامات وزلفى عند الزهراء عليها السلام، طوبى وحسن مآب، والرجل فرح مسرور أن فاته ذلك كله! سهمه في كنانته، ويحسب أنه أصمى الغرض، ما برح يطرد في الفلوات والصيد في حقله، يرتع ويعبث، يرعى ويسمن، يفسد الزرع ويهلك الضرع، والرجل يرابط في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته!

    من المعضلات المؤلمة في الوسط العلمائي، والأزمات المستحكمة في هذه الشريحة المباركة، شحَّة الوعي والبصيرة النافذة، ندرة معرفة حوادث الأيام وحركة الأنام، فهْم هذه وإدراك تلك، قلَّة مَن يحيط بالوقائع ويتمتع بالقدرة على تشخيص الحقائق في الحوادث، التفريق بينهما وبين الأكاذيب والمخترَعات أو الأوهام والمبالَغات، تمييزها عن التدليس والتزيين والإلباس، ولا سيما في المنبرين للقيادة والمتصدين لتوجيه وإرشاد الناس. هناك كمٌّ هائل من الصوَر المزيفة والأخبار المغلوطة والمعطيات المكذوبة، معلومات ولربما أرقام وإحصائيات واستبيانات ودراسات، ترفد حركة الذهن وتدفع جولة الفكر، لتخلق معتقدات وتكوِّن قناعات، ثم يتبين بعد حين، أن لا أساس لتلك التي بُني عليها، ولا حظَّ لهذه التي اعتمدت مرتَكزاً ومنطلَقاً! فإذا أصاب أحدهم في جزئية عابرة ومفردة صغيرة، غفل عن كليات كبيرة، حتى تكتشف نملة تحمل قضمة في فيها، تسعى بها جاهدة تجاه الشرق، كما توحي لها مؤشراتها الفطرية عن مسكنها ومستعمرتها، تكتشف أنها تدبُّ على لوح في سفينة تبحر غرباً، وتضرب في لجَّة لا قرار لها!

    هنا تزلُّ أقدام الرجال وتكبو الجياد وتسقط الفرسان، إنها حفرة تعثرهم وجرف انزلاقهم، لا يسلم إلا الأوحدي، ولا ينجو إلا مَن سبقت له من الله الحسنى. السبيل الوحيد هو التسليم، ترويض النفس وتهذيبها والعمل بـ “اتقوا الله ويعلمكم الله”، ثم الابتهال والتضرع، ليصرف الله عزائم النفوس، ويأخذ ما تسكن إليه الخواطر، إلى ما يرضيه تعالى، فيصيب بها سُبل الهداية، ولا بدَّ أن يعيش المرء في الدعاء الانقطاع بصدق وإخلاص، لا يكون لقلقة لسان يخلد معها إلى “علمه” و”فهمه”، ملتزماً ما بناه على معطيات أغرت أهواءه، وأرقام أغوت غفلته وغباءه، لاقت ثقة في نفس مريضة مغلوبة، وروح سقيمة عليلة، بل وافت خرقاً وسفهاً، وغروراً وزهواً، أخذ صاحبه ليركن، وقل إن شئت تخفيف الوقع، وافت بساطة وسذاجة تحمل صاحبها على يقين الحمقى وقطع السفهاء، والأمر سواء في عزم الإقدام أو قرار الإحجام، الفعل أو الامتناع، كلها قد تقدم من غباء. والبلاء الأعظم أنهم لا يوُدون بأنفسهم ويزرون بأشخاصهم فحسب، بل يهلكون أتباعهم وينكبون أولياءهم! لن ينجو إلا من يلهج: “اللهم أرني الحق حقاً حتى أتبعه، وأرني الباطل باطلاً حتى أجتنبه، ولا تجعلهما عليَّ متشابهين، فأتبع هواي بغير هدىً منك، واجعل هواي تبعاً لرضاك وطاعتك”، يطلبها حقاً وصدقاً ويعيشها خضوعاً وتسليماً، تجعله يعرض عن أكداس متراكمة من الأماني والرغبات، وتلال من أوهام وقراءات، يحسبها أدلة وأمارات! والأمر غاية في العمق والدقة، قد ينتهي ـ بمن يريد النجاة من الاغترار والانخداع ـ إلى سدِّ كلِّ مسارب الوهم، وحجب كافة سُبل تلقي الأباطيل التي تثقل التقارير، وصمِّ الآذان عن لغو نشرات الأخبار، وشيطنات القنوات الفضائية الموجَّهة، وعبث وسائل التواصل وتهريجها، وكلِّ موجات التلقين والإملاء، ودع عنك أُكذوبة ضرورة “مواكبة الأحداث ومزامنة التغيرات”، و”الاهتمام بشؤون المسلمين”، وما يعيبون به أولياء الله من التنزُّه عن هذا اللوث، والانقطاع إليه تعالى والاستغراق في معرفته وعبادته، الذين “وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم”، ولم يبالوا من بعدُ بما يقال فيهم، فقد “عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم”، ومع هذا وإلى جانب ذاك، نفي ما يرفد النفس من الشهوات الخفية والظاهرة، والتوجُّه إلى الأئمة والتوسل والاستغاثة بهم، بصدق وإخلاص، وعشق واعتزاز.

    خطأ في التقدير، وسوء في القراءة والتحليل، أضاع فرصة تاريخية، وأهدر حصَّة استثنائية، وبدَّد نصيباً موفوراً لنصرة أعظم قضية حقٍّ، والظفر بجائزة رضا سيدة نساء العالمين، وعطية بنيها الأكرمين… فكيف بأداء الخامنئي الذي دمَّر المذهب ومحق الدين؟!

    في حياة هذا الدكتاتور المستبد سَنة خطيرة وحاسمة، كانت لها تداعياتها الكارثية عليه وعلى جميع الشيعة، من 1977 إلى 1978، عاشها في مدينة “إيرانشهر” من إقليم بلوجستان، ضمن قرارات إدارية لسافاك الشاه، تعالج حالات ثورية من الدرجة الثانية، يستعيض بها عن الإحالات القضائية وأحكام الحبس الطويلة، لأشخاص لا يرى لهم خطراً جدياً أو دوراً مؤثراً في المعارضة والثورة. في هذا السياق أُبعد الخامنئي إلى هذه المدينة النائية ذات الأغلبية السنية، ليعيش عزلة ويقاسي غربة، لكنه سرعان ما تكيَّف، وعاش بين أهلها واندمج في بيئتها، حتى قُبل داعية ومعلِّماً في مساجدها، وارتُضي ناشطاً يشكِّل الخلايا ويدير الحلقات! في هذه السنة المشؤومة، طبَّق الخامنئي أفكاراً آمن بها وآراءً تشبَّع منها، وعاش “تفعيلاً” ميدانياً لها في بيئتها الأصلية وأرضها الطبيعية، حتى حسب ـ حقاً ـ أن “ليس وراء عبادان قرية”، وأن تجربته الشخصية المحدودة برهان حسيٌّ مشهود على صحة الفكرة!

    ومن هنا بدأت الكارثة، حين ترسخ في وجدان الرجل وصدَّق بأداء البيئة السنية في بلوجستان، وحمل ذلك على المذهب والطائفة السنية قاطبة، رآها تجربة ونموذجاً قابلاً للتعميم والاستنساخ، وأن السنيين كلهم من هذا النمط وعلى هذه الشاكلة! وهي قراءة غاية في السطحية والانفعالية، ولك أن تعبِّر بالغبية، التي تغفل دور المكان والزمان، وتفصل الأداء عن تأثير البلد والمحيط الشيعي بتاريخه الصفوي والقاجاري والزندي وحتى الحديث، وحرص الدول على هويتها المذهبية الغالبة، وهي قوام تأسيسها ومدار خصوصيتها وتميزها عن الفضاء السني الذي يحيط بإيران.

    أغفل الخامنئي التقية والمداراة التي يعيشها السنة في إيران، وقفز من أدائهم ليبني فكرته عن التعاطي مع أهل السنة والجماعة كافة، وأسس لآراء ونظريات وأحلام ما لبثت أن تحولت ـ مع توليه القيادة ـ إلى واقع منفعل بل متفجِّر، فتح أبواب الخزينة الإيرانية على مصراعيها للأحزاب الإخوانية، ومكَّنهم من أدق أسرار التصنيع العسكري التي تضنُّ بها الدول على أوثق حلفائها، ثم أخذ البلاد إلى حروب قصمت ظهرها. 

    ناهيك بما يقاسيه الرجل من سطحية الفكر العلمي، وخلل واضطراب العقلية الاستنباطية، وتواضع الذهنية التحليلية، فإن المنفى الذي عاشه، التقى في نفسه مادة منحرفة وفكراً ضالاً تلقَّاه من مطالعات شكَّلت ثقافته الحقيقية. كان سيد قطب يحتل موقعاً خاصاً في قلب الخامنئي الشاب وفكره، وهو مَن ترجم  كتابه “المستقبل لهذا الدين” عام 1966، وكتب في مقدمة الترجمة: “حاول هذا الكاتب العظيم عبر فصول هذا الكتاب تقديم روح الدين كما هي”، ولم ينقضِ إعجابه وتأثره به حتى ترجم تفسيره “في ظلال القرآن”! هكذا صنعت هذه “السنة البلوشية” روحاً متخلِّفة، وأذكت مزاجاً سقيماً، وعمَّقت نزعات شاذة عن السياق الحوزوي، نشاز عن الفضاء الشيعي الطبيعي، وقد وافى ذلك عُقَداً نفسية ومركبات نقص تسكن أعماق الرجل، فأنتج ذلك المجموع ذاتاً جانحة مضطربة، وشخصية ضالة منحرفة. فإذا ملك السلطة وتمتع بالقدرة، قاد نحو الأهوال والهلكات، وخلَّف الكوارث والويلات!

    ولك أن تتأمل في إحدى هذه النتائج الكارثية: قراءة خاطئة للخلاف العقائدي، وفهم سطحي للواقع السياسي، وتحليل مغلوط لآلية صنع العقل الجمعي، حملت الرجل على دخول حرب مدمِّرة مع إسرائيل وأمريكا، مراهناً على الاصطفاف الإسلامي، ولا سيما العربي. إن هذا السير المعوج الضالع، والنشأة الجانحة والروح الملوثة، زرعت في نفس الرجل فكرة باطلة عن تطبيقات الوحدة الإسلامية، وخلقت صورة خاطئة عن حقيقة موقف مجموع المخالفين والسواد الأعظم منهم، الذي قد لا يكون معادياً، فلا تكون الأكثرية السنية ناصبية، ولكن البصير الفطن يدرك أن الدور الفاعل في توجيه العوام وتلقينهم هو للنخب العلمائية والطلائع الحركية الحزبية، وهؤلاء جلهم نواصب، بالمعنى الذي يشير إليه الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب مَن نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا أو تتبرؤون من أعدائنا”! لم يقرأ هؤلاء انتصار الثورة في 1979 فتحاً للإسلام وتحكيمه كما يحسب الخامنئي، بل سبيلاً يحمل خطر انتشار التشيع وغلبته، لذا تراهم دعموا الإرهاب التكفيري ونصروه، وفي الأقل الأدنى، فرحوا وابتهجوا بالمجازر التي كان يرتكبها ضد الشيعة في العراق، بل تراهم هللوا للضربات الإسرائيلية على إيران والشيعة في لبنان! العرب اليوم، في الشريحة الشعبية والعوام الذين شكَّلتهم النخب الدينية، من علماء وأحزاب ولجان خيرية وجمعيات قرآنية، هم الذين تعكس الفرق الرياضية ـ على سبيل المثال ـ حالهم، يسجدون شكراً عند تسجيل الأهداف، ويؤدون المباريات في حرِّ الصيف وهم صيام، وقد عزف آباؤهم عن أسماء خالد وعمر وعثمان، إلى يزيد ومروان وسفيان! تُرى ماذا غلبهم فسكنهم، واضطرم في أحشائهم حتى بلغوا هذا وصاروا في ذاك؟ كيف أُذكي الحقد في نفوسهم حتى صار سوقي مبتذل من جماهير كرة القدم، لا شأن له بالدين والالتزام، يتوعد بهدم كربلاء؟!

    لم يتمتع الخامنئي بذكاء يعينه في الاستمداد من معطيات الواقع، ولم يعش فضاء أحاديث المعصومين ليحظى بقدرة ويتمتع بقراءة واعية، تستند إلى التراث، من قبيل قول الصادق عليه السلام في الصدقات: “… فإن لم تجدوا أهل الولاية، فلا عليكم أن تعطوه الصبيان ومَن كان في مثل عقول الصبيان، ممن لا ينصب ولا يعرف ما أنتم عليه فيعاديكم، ولا يعرف خلاف ما أنتم عليه فيتبعه ويدين به، وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، تعطونهم دون الدرهم ودون الرغيف، فأما الدرهم التام فلا تعطي إلا أهل الولاية. فقلت: جعلت فداك فما تقول في السائل يسأل على الباب وعلى الطريق ونحن لا نعرف ما هو؟ فقال: لا تعطه ولا كرامة، ولا تعط غير أهل الولاية، إلا أن يرق قلبك عليه، فتعطيه الكسرة من الخبز، والقطعة من الورق، فأما الناصب فلا يرقن قلبك عليه، لا تطعمه ولا تسقه وإن مات جوعاً أو عطشاً… فإن أبي نُعْم المحمدي (عبدالرحمن، التابعي الزاهد، روى عن أبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة!) كان يقول: من أشبع ناصباً ملأ الله جوفه ناراً يوم القيامة، معذَّباً كان أو مغفوراً له”. وفي حديث آخر: “من أدخل السرور على الناصبي، واصطنع إليه معروفاً، فهو منَّا بريء، وكان ثوابه على الله النار”. فتأمل في حال الخامنئي وحزبه في لبنان!

    الرجل عابد لأفكار سيد قطب ومركوس في اللامذهبية، تشرَّب نهج محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغرق في أروقة السياسة وغاص في دوائر المخابرات، فكيف له أن يطال الحقائق؟ وأنَّى له التناوش من مكان بعيد؟! كل ما يعانيه الشيعة اليوم هو من قراءات خاطئة وقع فيها هذا المستبد الجاهل:

    1/ حسب أن السنة سينصرونه، أو ـ في الأقل ـ سيشكرونه، وإذا بهم يبتهجون ويقيمون الأفراح لهزيمته.

    2/ خاض حرباً مع إسرائيل، وهي أُمة لا تنفك عن دينها، فأقحم الشيعة في صراع ديني عسكري خطير، وهم تحت رايته الباطلة التي لا تتمتع بأدنى مشروعية.

    وصدق الشاعر: لا تحسبَنْك خدعتهنَّ بخدعةٍ، بل أنت ويْحك خادَعَتْك مُناكا. كذب الغواني في سواد عذاره، فكذبْنَه في وُدِّهن كذاكا.

  • ما زال المشهد ـ لو يعلمون ـ كاسفاً كئيباً، والموقع مُثقلاً حزيناً، سماء الضاحية مكتظة بأرواح الأبرياء، تحوم حيرى في المكان وحوله، تعود إلى دُورها فتراها خراباً، وتؤوب إلى مساكنها فتجدها ركاماً، فإذا أُزيلت الأنقاض، ففلاة صفصف وقاع يباب، وغربان عشعشت أوكارها، ثم هجرتها لتستقر على رؤوس أعمدة الإنارة في المدينة الرياضية، والصامد من البناء في الضاحية الجنوبية، أو رفيع أغصان الأشجار البعيدة، في الحدث وبعبدا ومشارف الشوف، تقلع حيناً بعد حين، مع زعقة ونعيب، كأنها ترى الأنفس المظلومة البريئة، وتشاهد بؤس أرواحها المخترمة. والأرواح بدَوْرها في شغل عن النسور والصقور والغربان، لا يعنيها نعيب وزعيق وصهيل، إلا كلَحن جنائزي يحكي صورة ملكوتية لقرع طبول فرق “كشافة المهدي”! إنها تبحث عن أهلها وأحبتها فلا تجدهم، لا تدري كيف رحلوا وأين استقروا؟! فتعود منتظرة، تنتصب فوق البقعة المنكوبة واجمة دهِشة، فما زال دويُّ الصعق والانفجار الذي استهدفها يُحدث بصَداه رجعاً في رؤوسها، وضيقاً قاتلاً في صدورها، يعيدها إلى النزع وحشرجة الموت، التي ما برحت تتجدَّد وتتكرَّر آناً بعد آن! ما زالت الأوردة والشرايين تنتفخ من الضغط المهول الذي تُحدثه القنبلة الفراغية، تتمدَّد وتتوسَّع لتتمزق في ثانيتين أو ثلاث، ويتوزع معها البدن أوصالاً وأشلاءً. فإذا غابت آلام الروح في نسَق الإعادة، وتاهت في رتابة التكرار، وغلبها السأم من الجولة بعد الجولة، والضجر من الانتظار، جاء طنين المسيَّرات وزنين المراقبات ليستعيدها ويذكِّر بها!وهنا ملائكة ترعى أرواح أطفال، لم تُطق أو تدرك عمق البرزخ وما ينتظرها من نعيم في رياض جنانه، فبقيت ملازمة لدُورها، تبحث عن والديها وإخوتها!.. وقد فقد بعض سكَّان العالم الآخر رشدهم، فحسب أن لم يعد لهؤلاء الأطفال براءة تُندب وسلامة نفس تُبكى، فقد سحقها عبث القوم مراراً، وطمرها لوثهم كراراً، حتى قضوا على كلِّ طهر فيهم ونقاء، لكن الحقَّ أن الذوات النجيبة تتجدَّد من تلقائها، وتعود بعد كلِّ انتكاسة إلى ألَقِها، ليأتي التلقين السياسي ويعود التوجيه الشيطاني، فيلوثها من جديد، حتى يستولي عليها، فتُمسخ وتنسلخ عن أصلها!

    لعمري، كم كان الأمر سهلاً ميسوراً، لمن يطلب رضا الله ويريد جنته حقاً، لا الملك والمال والسلطة والشهرة… أمر يقدُمُ من رِفق ويأتي من رحمة، ففي الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى “ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة…” التي شرَّعت القيام والقتال في صفِّ الحسين، ثم الصاحب عليهما السلام، قال: “كفُّوا أيديكم، يعني كفوا ألسنتكم، وقال: أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفُّوا وتدخلوا الجنة”؟ لا يتطلب الأمر أكثر من ذلك! ومن قبله حذَّر الباقر عليه السلام كما في الحديث الشريف، قال: “الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير، قلت: جعلت فداك وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم. ثم قال: يا أبا المرهف، أما إنهم لم يريدوكم بمجحفة (أي داهية) إلا عرض الله عز وجل لهم بشاغل، ثم قال: يا أبا المرهف، أترى قوماً حبسوا أنفسهم على الله عزَّ ذكره لا يجعل الله لهم فرجاً؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجاً. ومن قبله قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا ما لم يعجِّله الله لكم، فإنَّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقِّ ربه وحقِّ رسوله وأهل بيته، مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه، فإنَّ لكلِّ شيء مدَّة وأجلاً”.

    تُرى هل من مقتضٍ وحاجة، أو داعٍ وضرورة، أن يزعم أحدٌ الثراء ويدَّعي الرفاهية والرخاء، حتى ينافس المترفين البطرين ويجاري الأغنياء؟ فيضطر للانخراط في محافلهم، وحضور مجالسهم، والانتساب إليهم، والدخول في دولتهم، ورفع شعاراتهم، بل لبس ثيابهم، وتناول طعامهم، واقتناء مركباتهم، ومزاولة نشاطهم؟ فإذا خنقته الديون وحاصرته القروض، وأشخصته الحقيقة أمام فقره وعجزه، ولاحت على رأسه علامات الإفلاس، لجأ إلى التسوُّل والاستجداء!

    مَن الذي رفع الراية وسلَّ السيف وخرج، حتى صار النوم ملء العين حسرة على شيعة لبنان؟ مَن الذي اندفع وتهوَّر ليتحدَّى أعتى طاغٍ وأشرس دولة وأقوى نظام؟ من الذي طلب أمريكا للبراز، وإسرائيل للنزال؟ يحسب نفسه علي العصر وحسين الزمان؟ حتى إذا سفكت دماء الآلاف، وهدمت الدور وخرب الزرع وهلك الضرع، ولاقى حاصل أفعاله، اصطلمه الأعداء ونزلت به اللأواء، راح يتوسَّل الحبر الأعظم ويتسوَّل النصارى وشركاء الوطن، وألحق أبناء الشيعة وأيتام آل محمد بصفوف المبهورين بقارون لمَّا خرج على قومه بزينته، يقولون بلسان الحال والأماني والآمال: “يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظٍّ عظيم”! 

    ما ضر لو كنت جليس الدار في عالم السياسة؟ مُهمَلاً مجهولاً، قاعداً مركوناً؟ هل هي الحقوق التي تخشى عليها الضياع؟ فما صنع الخوض والقيام، هل حافظ عليها أو أرجع شيئاً منها؟ أم تراه فاقَم الأمر تردياً وسوءاً؟ وكان “زيادة في مكروهنا وشيعتنا”؟

    لماذا يحافظ غيرنا على وقاره واتزانه، ويمارس في الوقت نفسه احترام الآخر، ولا سيما ضيف كبير مثل بابا الفاتيكان، ويدرجه في مقامه العالمي ومكانته المفروضة.. بينما نذهب نحن في التهريج والابتذال والامتهان ما يبعث على الغثيان؟

    هل حكم أحد علينا وطالبنا وألزمنا أن نوقف أبناءنا على قارعة الطريق، يلوِّحون بأعلام الفاتيكان، ويفدون الصليب ويتمنون أن يقبروا دونه!؟

    والمقارنة تتداعى من تلقائها، وتفرض صورة “حبر أعظم” يخضع في النجف الأشرف على أعتاب مرجعية عظمت روحها فتألق مجدها، ومشهد مرجعية مزيفة تخلَّى صاحبها عن عقيدته وولائه، واستقوى بالسياسة وسلاحه، فوقف على قارعة الطريق في بيروت ينتظر الإحسان ممن يقوم عرشه على جحد “أحمد”، وطمس البشارة الحقة بنبوَّته ودينه، فلم ينل حتى من فتات المائدة الذي بُذل بسخاء لراقصين ودابكين!

    ومما يزيد في الكيل صاعاً فلا يوفَّى، أنَّ الرجل هو “المرجع” الوحيد ـ على مرِّ التاريخ ـ الذي حظر على الهيئات الحسينية في إيران حمل “العلامة” (وهي أشبه براية معدنية ذات شكل خاص) لأن اللسان الهزاز الذي يحدث الرنين في حركة حامله في عزاء سيد الشهداء، يشبه الصليب! كما أنه “المرجع” الوتر الذي يفتي بتحريم وضع ربطة العنق لأنها تشبه الصليب، وأنها ضرب من لباس الشهرة، بينما أدخل هو وابتدع في لباس رجال الدين الشيعة، حين توشح بالكوفية الفلسطينية على متنه، والتزم ذلك حتى يومنا!.. وها هم أبناؤه في بيروت يحملون الصليب ويلوِّحون به للقريب والبعيد، وكل إنسان يولد على الفطرة، وأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه!

    في الحديث الشريف عن الفُضيْل، قال: دخلت مع أبي جعفر الباقر عليه السلام المسجد الحرام وهو متكئ عليَّ، فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة، فقال: أما والله يا فضيل ما لله عزَّ ذكره حاجٌّ غيركم، ولا يغفر الذنوب إلَّا لكم، ولا يتقبل إلَّا منكم، وإنكم لأهل هذه الآية: “إن تجتنبوا كبائر ما تُنهوْن عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم ونُدخلكم مُدْخَلاً كريماً”، يا فُضيل، أما ترضوْن أن تُقيموا الصَّلاة وتُؤتوا الزَّكاة وتكُفُّوا ألسنتكم وتدخلوا الجنَّة؟ ثم قرأ “أ لم تَرَ إلى الَّذينَ قيلَ لهم كُفُّوا أيديَكُم وأقيمُوا الصَّلاة وآتوا الزكاة” أنتم والله أهلُ هذه الآية. والقوم يتهالكون ليخرجوا أنفسهم منها، ويصرفوا هويتهم عنها!

    يقال إنَّ قرويين احتاروا في بقرة حشرت رأسها في جرَّة، وقد أعيوا في تخليصها، فرجعوا إلى حكيم القرية، الذي رأى الحلَّ في قطع رأسها، ففعلوا. لكن الجرَّة بقيت على حالها والرأس محشورة فيها! فقال لهم اكسروا الجرة تخلص الرأس. ففعلوا، وحرروا رأس البقرة. لكنهم رأوا الحكيم قد انعزل وتنحَّى جانباً وهو مستغرق يتفكَّر، فدنا منه صاحب البقرة وراح يواسيه بأن لا يحزن، فهو أمر مقدَّر وقع، فأجابه: إنما حزني وتفكُّري هو في يوم سيأتي عليكم ولا أكون بين ظهرانيكم، كيف عساكم تتدبرون أُموركم؟!

  • في آخر لقاء جمع الثلاثي: الشيخ عيسى قاسم، زعيم المعارضة البحرانية (المنفيُّ، أو المهاجر إلى قم، فلا أحد يعرف شيئاً عن طبيعة الصفقة التي أنهت وضعه تحت الإقامة الجبرية في البحرين، بذريعة السفر للعلاج!)، بمسؤوله الحزبي وآمره الميداني، الحاج قاسم سليماني، قبيل استشهاده بأشهر قلائل، بحضور السيد الخامنئي ولي أمره ومرجعه وإمامه… استعرض السيد القائد حال المنطقة، الوضع في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وخلص إلى رسم تكليف جديد للساحة البحرينية، ودور طارئ عاجل عليها أن تنهض به. وقد أصدر في هذا السبيل إرشادات وتعليمات تضمنت أمراً صريحاً للشيخ عيسى، مؤداه المباشرة بتصعيد الساحة في البحرين، والانتقال بها إلى صدام حاد لا يتوقف قبل إسقاط النظام! يقال إن بصيص الورع في الشيخ عيسى قد شعَّ، ولحقته بعض شجاعة، حملت الرجل على التوقف ورفض الفكرة، فالمعطيات المتوفرة لديه لا تسمح بهذا الأمر، بل إن الحالة العامة للحركة الإسلامية ستنتكس بآثار عكسية ونتائج مدمرة! انفضَّ الاجتماع حينها على غضب وتبرم شديدين من الشيخ عيسى، وأوامر بإقصائه وعزله، بوشر بتنفيذها بوتيرة حادة ومتصاعدة، سرعان ما تباطأت حتى تلاشت مع تلاحق الحوادث التي أثبتت صحة تقييمه وسلامة موقفه، والكلفة العالية للبحث عن قائد جديد للبحرين. وبالأمس القريب، تناقلت الأخبار شيئاً مشابهاً تلقاه الشيخ نعيم قاسم، أوامر مباشرة من الخامنئي بالتصعيد في الساحة اللبنانية! والأمر بعد هذا الهراء وذاك، خطير يجري أنهاراً من دماء، ويتهدد مصير الشيعة في بلادهم ومستقبل المذهب في بنيته وركائزه وموقعيته!

    يبدو أن لا سبيل لخلاص الشيعة وراحتهم في دينهم ودنياهم ما دام الخامنئي في موقع القيادة، لن تفلح إيران، ولا الشيعة في البلاد التي يمتد إليها النفوذ الإيراني، وبالتالي المؤلم، لن يستقر الشيعة في العالم. لا بدَّ من عزل الخامنئي عن القيادة والولاية، لا لعجزه وتخلُّفه، وافتقاده الشرائط الشرعية والأسباب الموضوعية فحسب، ولا حتى لشؤمه ونحوسته وسوء طالعه على محيطه، بل لكتلة ضخمة من العقد النفسية ومركبات النقص التي تسكن الرجل، وتداعيات ما برحت تخلق العوائق في طريق النجاح، تأخذه للتعثُّر والسقوط في كلِّ منعطف ومنزلق، ما حال دون تحقيقه أي انتصار وبلوغه أي هدف وإنجاز يذكر على امتداد عهده! ولك أن تقف على حجم الأزمة من عجز هذا التعِس عن قراءة نقلة نوعية تعيشها المنطقة، فأدرج تحولات تاريخية خطيرة بدأت خطواتها التنفيذية واضحة جلية، أدرجها في سياق تقصَّد حراك تافه يقوده، وصنَّفها مؤامرة تستهدفه، يحسب نفسه ودولته محور العالم وقطب الوجود! مما لا يمكن تفسيره إلا ضرباً من النرجسية خلقت فيه غروراً وإعجاباً بالنفس تركه و”مرآة” يتطلع فيها فلا يرى إلا قسامته وجماله! يلحقه بشيء من جنون العظمة، أنهى معه أي دور استشاري يستعين به، وأورثه شعوراً بالتفوُّق على محيطه، ناهيك بالتقدم على عدوِّه! لا تفسير لاحتجاب الحقائق والانفصال عن الواقع إلا سطوة العُقد النفسية وغلبة الداء! وهذا بالتحديد ما حمله على قرارات قاتلة لا يمكن لأي عاقل يحيط بأوليات السياسة أن يسقط فيها. ببساطة شديدة، عندما بدأ الغرب بتنفيذ خارطة الشرق الأوسط الجديد، أُعطي العراق للأكثرية الشيعية، ثم جاء دور سوريا لتسلَّم للأكثرية السنية، فانصاع الجميع بما فيهم النظام البعثي والأسرة الحاكمة هناك، وأعدوا عدتهم لصيغة انتقالية توافقية، من موقع تفاوضي لا بأس به، الأمر الذي كان سيتراجع بمكانة التكفيريين ودورهم في المعادلة السنية لصالح القوى المعتدلة والعلمانية، ويجنب البلاد الدمار والعباد الهلاك في حرب أهلية طاحنة، وإذا بالقرار والفرمان الخامنئي يصدر من طهران ببقاء الأسد، ووجوب إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المظاهرات ومقدمات الثورة الشعبية والمعارضة المسلحة!

    قد يكون الخامنئي خطيباً مفوَّهاً، أو شاعراً أو متذوقاً للشعر، أو أديباً بارعاً، ولعلَّه قارئ نهم، لم يغادر شيئاً من القصص والروايات العالمية، كما يقال عنه، ويكرر هو عن نفسه، مطَّلع على الثقافة الغربية من هذا الباب الحرج، بل التافه في الميزان العلمي، لكن من المؤكد أنه ليس عالماً دينياً ولا فقيهاً، ولا سياسياً حكيماً، وهو في هذا الميدان يقف على الأعتاب الدنيا، ويحوم في الحمى الأبعد، فإذا مضى فعلى هامش أقرب إلى المهمل المتروك، اللهم إلا ما يخلقه لنفسه، وتكرره مؤسسات جمهوريته، ويروِّجه محازبوه، من لوحة إلهية، يجد له موضعاً فيها، يدير القدر ويعيد قراءته بما يوافق قراراته الخاطئة ومواقفه الطائشة الجانحة، فإذا عبث بذيل النمر الأمريكي أو ناوش الضبع الإسرائيلي وتلقى ضربة مدمرة تطيح به وتضيع جهود عقود خلت، وتهدر ميزانيات فلكية كانت كفيلة بتحويل إيران إلى جنة الله في أرضه، قيل عنها ضربة ردَّت الأنكى الأسوأ، ودرأت الأفظع الأشنع، ودفعت ما هو أعظم! وإذا بدأ بخرق وبلادة حرب إسناد غزة التي دمرت ذراعه الأقوى ومفخرته القدوة في لبنان، قيل لو كنتم تعلمون ما ينتظرنا من البلاء والنكال لولا هذه الحرب الرحمة! فإذا أعلنت النتيجة على الصعيد السياسي وانكشفت عن هزيمة ماحقة، قيل: ما زلنا هنا، وحياتنا أكبر رقم مقاومة، وإن كانت ترسم صفراً كبيراً! ثم لا ينقضي العجب حتى يعمد لإثبات نظريته والبرهان على أوهامه، فيستعيد أخطاءه في سوريا ويكرر الفاجعة في لبنان، حين يعود للتهديد والوعيد من جديد، في أداء منفصل عن الواقع، لا تجد له من تعبير غير المكابرة والعناد، كمن خاصم زوجته فأجبَّ نفسه. الرجل تغلبه الصوَر وتؤثر فيه الأخبار، وتطوح به المفاجآت المباغتات، وتستخفه الأماني والأفكار، ولا سيما هاجس النصر وتحقيق النتائج، التي لم ينجز منها شيئاً، ما برح في الطريق يسعى ليل نهار. أزمته الكبرى أنه لم ينجح في جبهة ولا سجَّل انتصاراً في ميدان، ولا أتمَّ عملاً وأنفذ وعداً قطعه ومنَّى به جمهوره. في السنة الأولى لتوليه الحكم، غلبته نزعة التنبؤات، فبشَّر بفتح إخواني وشيك في مصر، ومنذ ذلك الحين والحركة الإسلامية هناك في تدهور وانهيار!

    لست أدري على التحديد ما هو منشأ العقَد التي تسكنه، وجذر مركَّبات النقص التي تنفعل في نفسيته وتفعل في سلوكه، ولكن يبدو أن الوضع العائلي أحدها، فهو من بيت متواضع، عاش في فقر مدقع، خلافاً لحال رفسنجاني على سبيل المثال، وحتى السيد الخميني نفسه، الذي ينحدر من حالة إقطاعية وزعامة اجتماعية، قبل أن تثنى له الوسادة في الزعامة الدينية والسلطة الحكومية. وقد تكون العلة في أُنسه المفرط بالروايات الأدبية وتأثره بالقصص العالمية وموقع البطل فيها، لست أدري، ولكن ليس من العقل والدين، ولا من الصواب والحكمة ترك الرجل يعبث بمسير المذهب ومصير الطائفة! والسؤال المدوِّي الذي يتردد حول سبب التدخل الأمريكي لوقف غارات إسرائيلية كانت تستهدفه؟ والتبرير “المقنع” الذي قدموه للإسرائيليين بأننا لن نقع على الأفضل منه في تدمير الشيعة، فلن نكرر غلطتنا مع صدام!

    إذا لم تطوَ هذه الصفحة فسيبقى الشيعة في بلاء، ولن يخرجوا من النفق الذي أُقحموا فيه.. الأمل والرجاء في تدخل المولى عجل الله فرجه، ودورنا أن نعينه بورع واجتهاد وعفة وسداد، أدناه إنكار هذا المنكر، والتبري من هذه الولاية الباطلة. 

  • مع أنهما ينتميان إلى المدرسة الفكرية نفسها، مدرسة الحداثة والحركة، ويستلهمان من المفكرين المنحرفين أنفسهم، علي شريعتي وحسن البنا، وبعض رواد النهضة والإصلاح، لكن هناك مميزات شخصية وسلوكية ثم نفسية طبعت كلّاً منهما، رسمت فارقاً يلامس الجوهر في هذين الرجلين، أبرز معالمه البيت والأسرة العلمية، فالسيد موسى سليل بيت علمي وزعامة شيعية تقليدية تمتد من إيران إلى العراق فلبنان، تتمتع بتاريخ حافل، بلغ أن أحدهم (السيد محمد الصدر) تولى رئاسة الحكومة العراقية لفترة وجيزة في عهد الملك فيصل الثاني الذي كان تحت الوصاية لصغر سنه، وهو الخرق الشيعي الثاني بعد حكومة صالح جبر، ثم لم يتكرر الأمر من بعده البتة (حتى سقوط البعث وصدام)!

    بينما الخامنئي شخص مغمور، على هامش الحياة العامة، لا يشكل شيئاً على هذا الصعيد، لا في الحوزات العلمية ولا في الواقع الشيعي، وطالما كانت هذه عقدة ومركب نقص لزم شخصيته! ثم هناك عامل الارتباط بالمرجعية، فالسيد موسى الصدر كان محتَضناً من مرجعية السيد البروجردي، بينما الخامنئي وقع في خطأ جسيم حين ادعى الاكتفاء الذاتي، وسعى لبناءٍ يستقل به عن المرجعية الشيعية! الخطوة التي قصمت ظهره على صعيد آليات التواصل والتفاعل والعمل بين مواقع الفعل وصناعة القرار، في الحالة الإيمانية الشيعية، انتهت به إلى الإفلاس والعزلة عن هذه الأوساط، ومحاصرته في إطار حزبي مُهلك، حتى الحوزات والنطاقات التي تسلَّط عليها بالقهر والقوة، كحوزة قم، لم تنصره وتدعمه! أما الجانب الثوري، فلا الخامنئي ثوري في فكره، ولا موسى الصدر مهادن مسالم في نهجه، فقد نشأت تحت ظلال الصدر حركة “فرسان أو فتيان علي”، كنواة لأوَّل ميليشيا وذراع عسكرية شيعية تعين على خروج الطائفة من الاستضعاف والتهميش، ناهيك عن دور مصطفى شمران اللاحق المعلن بعد السابق المضمر، بل حتى في أطروحته الاجتماعية والسياسية، صُنِّف السيد موسى كرقم ضد الإقطاع الشيعي والزعامات التقليدية المسيطرة على الطائفة، وشكَّل حالة ثورية متمردة عليها. 

    أما الخامنئي فقد كان من رموز اليمين الإيراني في التقسيم الثوري، الذي كان يعارض التوجه الخميني الداعم لحكومة مير حسين موسوي (ما زال رهين الإقامة الجبرية في عملية تشفي وانتقام غريبة!)، وشريحة من الراديكاليين الذين تشكَّلت نواتهم في “الطلاب السائرين على نهج الإمام”، الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران، ثم تبلورت في صيغتها المعتدلة في حركة “روحانيون مبارز”، وكلها مواقع عارضها الخامنئي وعاداها، والحق أن رفسنجاني، لم يصعد به إلى القيادة وولاية الفقيه إلا لتمتعه بهذه الخصال والصفات، وإذا به يتنكَّر لها ويندفع باستدراج استعراضي مدمِّر، أودى به وبجمهوريته.

    على هامش الهزيمة المؤلمة، والحالة النفسية الموحشة التي يعيشها الشيعة اليوم، على مختلف طبقاتهم وتوجهاتهم، جرَّاء اقتحام الجمهورية الإسلامية أخطر ميدان ودخولها في صراع عسكري مع إسرائيل والقوة الأمريكية العظمى، التي أنزلت بها ضربات ماحقة مزلزلة، سبقها حصار أدَّى إلى سقوط النظام الإيراني على صعيد القيم الدينية والاقتصاد الوطني، وتهلهل الوضع الأمني والسياسي للنظام، كما أدى إلى انهيار أذرع إيران القوية في سوريا والعراق ولبنان، وبقاء اليمن على باب أو لائحة الانتظار. 

    قبل أيام، نشرت قناة البي بي سي العربية خبراً ثم تقريراً صحفياً مصوَّراً يصبُّ في مسعى لطيِّ ملف السيد موسى الصدر، وإعلان وفاته، أو قُل، وقف استنزاف و”احتلاب” غيابه! فقد آن الأوان لظهور قيادة جديدة تملأ الفراغ الخطير في الساحة الشيعية. فالإنجليز لا يستعملون ولا يتداولون، والأهم، أنهم لا يبنون على مقولات “اقتلاع الجذور” و“القضاء المبرم” و”الإنهاء التام” وما شابه ذلك من مفردات السياسة الأمريكية، سواء للمذاهب والأديان والوجودات الطائفية، أو حتى للكيانات الحزبية، وهم يعلمون جيداً أن ما جرى مع النازية لا يمكن تكراره واستنساخه على أي نموذج آخر، لا الإخوان المسلمين وحماس، ولا الشيعة وإيران! لذا هناك اليوم عمل جاد على احتواء هذه الساحات المهزومة، والكيانات المنهارة، بما يعيد تنظيمها وبناءها، ثم اصطفافها والتحاقها بركب المشروع الغربي، والصيغة الدينية المتميِّعة في مشروع “الإبراهيمية”!

    الساحة الإيمانية الشيعية تبحث وتتطلع لزعامة على نهج موسى الصدر، قائد يكون منسجماً مع المنظومة العالمية، منفتحاً على الآخرين، كما هم، لا كما يريده لهم! يعود بالطائفة إلى الأطر والنطاقات التي تعيشها بقية الطوائف، وتخرج من التحزب والتشرذم الذي صنعته وألقتها فيه إيران.

    الخامنئي ذهب بها عريضة، مراهناً على انتمائه الفكري للحداثة التي يريدها الغرب، وانتسابه التنظيمي الذي تقرُّه الماسونية، أو القوة الأعظم التي تتحكم بالعالم، غافلاً أو جاهلاً بطبيعة العلاقات داخل هذه الكتلة، وإمكان الصراع والتصفيات بين أذرعها وأياديها. لذا فإنَّ الساحة الخامنئية تعيش في جدب وقحط رجال، لا توجد شخصية عربية تليق بالقيادة ويمكن أن تضطلع بدور ينافس مرشح التيار الشيعي الحكومي، الذي سيقود الطائفة ويعيدها للانتظام مع أنظمة الحكم في دولها، والوئام مع النسيج الاجتماعي لبلادها، بعيداً عن الهوية الإيرانية الشاذة، والانتساب الثوري بشعاراته الجوفاء المكلفة، الذي بات عنصراً مرفوضاً ورقماً نشازاً لا يقبله العالم ولا يطيقه الشيعة.

    الطائفة المحروسة بعين الله تتطلع إلى قيادة سياسية حكيمة تنتشلها من المآسي الذي ألقتها وبلتها بها إيران، زعامة تترك الشأن الديني، بفقهه وعقائده وشعائره ومقدساته، للحوزة والمرجعية الأصيلة، وتنبري للشأن السياسي بالحكمة والموعظة الحسنة. 

    في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام: “من الحكمة أن لا تنازع مَن فوقك، ولا تستذل مَن دونك، ولا تتعاطى ما ليس في قدرتك، ولا يخالف لسانك قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تترك الأمر عند الإقبال وتطلبه عند الإدبار”. 

  • من طبائع الشيطان ومناهج أوليائه، أنهم يستطلعون الحالة ويتحرَّون عن الشخص الذي يستهدفونه، يدرسون الساحة ويتفحصون الميدان أو الثغر الذي يريدون إسقاطه، لا يرمون اعتباطاً ولا يسددون شططاً، إلا نحو ما يتطلعون للاستيلاء عليه ويقصدون احتلاله وإفساده. ولا شيء يُطمعهم في الإغارة ويشجعهم على الهجوم مثل الغفلة عن الحمى واللهو عن الثغور! عندما يلحظ جنود إبليس الحدود الحقيقية للدين والإيمان خالية من الرباط، والقلاع والحصون متروكة مهملة، لا عنايةً تلقى ولا باهتمام تحظى، ثم يرون الجبهات الوهمية، التافهة في مواضيعها وموادها، الساقطة في خطرها وأهميتها، مزدحمة بالجند، مكتظة بالطاقات والإمكانيات، ملتهبة بالفعاليات والنشاطات! فإنهم يقدُمون بهدوء، يتسللون من هنا ويتوغلون هناك، يشنون غاراتهم ويوجهون ضرباتهم، والمؤمنون نيام، يهتفون هناك للجهاد وينادون بالقيام، وقد أُفرغت الأرضية العقائدية من تحت أقدامهم، وأُخليت بنيتهم الروحية والأخلاقية من مادتها الحقيقية، واستبدلت بأُخرى خاوية مسمومة، تزري بالأرواح وتسقم الأنفس، غرور وكبر وزهو وطغيان، فهي هالكة قبل أن يتوجه رصاص العدو إلى صدورها، ومتقوِّضة قبل أن تهوي صواريخه على مواقعها ودورها!

    من أعظم الجرائم التي قام بها النظام الإيراني وأشد البغي الذي جرى على يد تيار الخامنئي، السعي لخلق مقدَّسات مبتدَعة مُحدثة، تحت عناوين تصحيح العقائد وتنزيه الشعائر، وتنقية التراث وتهذيبه من الخرافات، وتوجيه الحراك الشيعي من السلبية الملتزمة بحرمة الدماء وحقنها، العاملة بالتقية وحكمها، إلى مسار ثوري وأداء صدامي على نهج زيدي، لا يمتُّ للمذهب الإمامي بصلة، ما أقحم الشيعة بمجموعهم الصغير في الأمة، في صراع مرير مع المحيط والعالم الكبير. صرفوا جهودهم ومليارات بيت المال، وثروات الشعب الإيراني المغصوب الساخط، على قضايا تافهة في الميزان الديني، لا تمثل ثقلاً عقائدياً، ولا تشكِّل جبهات صدام وصراع مع الشيطان، بل هي ـ في جوهرها ـ انخراط في معسكره، والتحاق بجبهته في صف المتآمرين على رسول الله، المنقلبين على وصيه، والولاية التي أمر بها ونصَّ عليها!

    الشيطان لا يؤخذ بالدعاية والإعلام، ولا بالجعجعة وكثرة الضجيج، بل ينظر ويخشى مَن يدخل حقاً في الحجيج، لا تعنيه آلاف العناصر المسلحة والمواقع المدججة بالصواريخ، وقد رأينا كيف راحت هباء منثوراً في ساعات وأيام، لأنها قامت على إرضاء أعداء الزهراء والتفريط بمعالم الدين والتنكُّر لمسلَّمات المذهب، أداء بنى ثقافة وأسس مدرسة، بل قل أبدع ديناً ونهج مذهباً مُحدثاً، قوامه أفكار علي شريعتي وسيد قطب، وسبيله مع الإخوان المسلمين، ما أخرجهم من التشيع ولم يدخلهم في التسنن، لا هم صوفية وعرفاء، ولا فلاسفة ومتكلمين، لا ماديين حسيين ولا إلهيين مسلِّمين! وراحوا يعبثون بتراثنا ويقلبون فقهنا ويهتكون مقدساتنا ويشوِّهون شعائرنا.. لا بالغيب يؤمنون، ولا بالرجعة يعتقدون، ولا بالشفاعة يقولون، ولا بالتوسل يعملون، جهدهم بخس مراتب الأئمة وجحد المنزلة التي أنزلهم الله فيها، حذر غلوٍّ زعموه، وغايتهم نسف “الحواجز” التي تحول دون التحاق الأمة بحزبهم. 

    وحتى نعرف كيف وصل بنا الحال لهذا الانحدار، وبلغنا هذا الوضع العصيب، دعونا نحلل مفردة الزيارة الأربعينية وما أصابها، للدراسة، كنموذج ومدخل لفهم كيفية عمل الشياطين..

    سوف نلحظ ونسجِّل أن أخطر المؤشرات التي التقطها إبليس هي ما رصده من سلبية المؤمنين في حفظ الحرمة، وتراخيهم في حيطتهم على قدس المكان وخفر المناسبة. وجد فيهم ليونة ورخاوة، بل إهمالاً ورعونة، ثم تفريطاً واستعداداً للتنازل والمساومة، حوَّلوا العتبات المقدسة إلى ستديوهات للمقابلات التلفزيونية والبرامج المصوَّرة، وكأنها مواقع تاريخية ومعالم سياحية! أفسحوا لمن هبَّ ودبَّ بارتقاء المنبر المقدس في الصحن الشريف، ومكنوهم من إمارة الزوَّار في عرفة وصلاة العيد وخطبتهم في الملايين. حتى ولجوا الحرم براياتهم الصفراء ولافتات الجحد والطغيان، ومواكبهم تهتف بقبضات مرفوعة، لا أكفّاً لاطمةً ولا قلوباً جازعة، فإن لطموا فعلى زعمائهم وصحبهم لا سيد الشهداء وصحبه! والقائمون على الحرم بين مَن قبض ثمن سكوته، ومَن يخشى الفتنة والشقاق، ومَن هو منهم، اندسَّ في طاقم العتبة حتى إذا ملك وتحكَّم قام بفعلته وأدَّى دوره! ثم أدخلوا المعازف بين الحرمين وغنوا “سلام فرمانده” (لقائدهم الخامنئي)، بتلبيس إبليسي رسمها بالعربية “سلام يا مهدي” ليخفف قبحها ويداري عارها، فلم يجدوا بأساً، بل احتضنوهم ورحبوا بهم! حتى بلغ السيل الزبى هذا العام بعسكرة المواكب وحمل مجسمات الصواريخ والمسيَّرات داخل الصحن الشريف!

    تُرى كيف تجرأ وتمادى الخامنئيون؟ من أين أُخذنا، ومن أين راحوا يتوثبون على أعزِّ شعائرنا، يسجِّلون حضورهم ويُقحمون ثقافتهم ويثبتون هويتهم ويسقطون المواقع واحدة تلو الأخرى؟ ما هي العلل، وكيف جرى الاستدراج، كيف عمل القوم بكيدهم الحزبي وبذهنيتهم المخابراتية، وتلقيناهم نحن بسذاجة وبدائية؟!

    بدأ الأمر بالتهاون والاستخفاف بالشعائر، العزاء منها والمزار.. تصوَّر أن يكون رئيس نقابة الكسبة أو رئيس غرفة التجارة، حداداً أو نجاراً، أو طبيباً أو ضابط إطفاء! لا علاقة له من قريب أو بعيد بالكسب والتجارة، لم يعرف دكاناً ولا أدار بقالة. أين الإشكوري من الزيارة والشعائر الحسينية؟! الرجل ناهيك بأنه لم يُقم مأتماً ولا أدار حسينية حياته كلها، فهو لم يسجل حضوراً في المآتم والحسينيات العامة، لا خدم بماعون ولا ساهم بدانق! الرجل غريب عن الفضاء، بعيد عن الأجواء، لا هو ابن صنعة ولا صاحب حرفة، كيف توكل إليه الإدارة التثقيفية والتبليغية لما يفوق عشرين مليون نسمة على مدار عشرين يوماً استثنائية في عمر العراق كل عام فتكون هذه المخرجات؟ ترى، ألم يُشعِر هذا التراخي في التعيين والإدارة، الإيرانيين بضعف القبضة، وهوان القضية عند المتولين الكرام وأولياء الأمر العظام، ألم يوحي بهامشيتها وأنها قضية عابرة عند أصحاب القرار؟ ألم يُلمسهم لين الجانب ويحسِّسهم برخاوة الخاصرة، فطعنوا فيها وولجوا منها؟ وما هذا التردي والهتك الذي ترى في النشاط التبليغي والإعلامي، إلا من تداعيات فساد الرأس ورداءة من في قمته، ما جعل الحرم الأقدس موضعاً للمجاملات السياسية، ومورداً للصفقات، وفي أحسن المحامل، جعله محلاً للعمل برؤية خاصة ونظرة لا تتوافق مع أصل الوضع والوقف.

    لست مُرجِعاً هذه الكوارث كلها إلى الإشكوري، فالتعس أقل من هذا شأناً وأضعف كيداً، ولكن عندما ينحدر الأمر بالتبليغ الديني ويهوي إلى هذي الحدود، فمن الطبيعي أن يتحول العزاء إلى استعراض لوحات “تيفو” على غرار التشجيع الجماهيري في مدرجات الملاعب والمهرجانات الشعبية، صار يشكلها “المعزون” بتقليب آلاف القطع لترسم لوحات قرآنية! غير مبالين بتعطيل مئات آلاف الزوار لساعات امتدت هذا العام لأكثر من أربع، في ازدحام خانق وتدافع قاتل، بانتظار أن يفرغ استعراض الفقاعات الصابونية التي أُطلقت من ألعاب أطفال يحملها رجال، تنثر رغوة تصنع أمواج سفينة! ثم جاءت الطامة الكبرى باستعراض عسكري حمل هياكل لأشكال صواريخ ومسيَّرات، كأنهم وقروا عما أصاب النسخ الحقيقية لها في لبنان ولمصانعها في إيران نفسها، فما هو عائد هذا الاستعراض الفج غير التبجح ودعوى الحضور وسط مناسبة دينية، بعد أن عجزوا عن الظهور العلني في معسكراتهم ومقراتهم؟! أي شجاعة هذه وأي استعراض للقوة هذا؟

    لو كانوا يعرفون حرمة الزائر، وقدس الحرم، وقيمة الدمعة، والعظمة الحقيقية للمناسبة لما سمحوا لهذا الإسفاف وما بلغوا هذا الانحدار. إن الغرض الأول والأعظم المتمثل في الجزع والبكاء والإبكاء لم يكن له نصيب، لا في الممثلين المصطفين في صفوف استعراضية لـ “تيفو” أولاد عامر، من أبناء الفرقة الكرمانية، ولا من المشاهدين المغلوب على أمرهم.

    في المثل، “لا يمكن أن تعدَّ العجَّة دون أن تكسر البيض”، وفي الواقع المؤلم، لا يمكن أن تستأصل الزائدة الدودية الملتهبة دون عملية جراحية، هذا الوجود الحركي الإخواني، ليس من الجسم الشيعي الأصيل، لا في عقائده وأفكاره ولا في شعائره ولا في عباداته، الحشد الشعبي الذي تصدَّى لداعش بعفوية الفتوى المقدسة، وإخلاص الدفاع البطولي، ونبل التضحية الإلهية، ليس هو الحشد اليوم الطامع في المغانم واللاهث وراء المكاسب والمرتبط بإيران. والزيارة الأربعينية أبرزت هذا الفرق وأكَّدت الانفصال والفرز، فما يقارب 22 مليون زائر في جانب، ومئة ألف (إن بالغنا في التقدير) في جانب آخر، حتى الزوار الإيرانيين، كانوا في غالبيتهم العظمى مندمجين في الجسم الشيعي الطبيعي، هذه الفئة العصية الشاذة، تأبى إلا أن تحرف المذهب وتحرق الطائفة معها! لا شأن لنا بالجانب السياسي والأمني، فهذا دور الحكومات وسلطاتها وتقديراتها، وهو شأن الشعب العراقي، ليس لأحد أن يتطفل عليه في هذا الدور الخطير، أما في الجانب الديني ولا سيما الشعائري، فهو شأن كل شيعي، ومن هنا يجب قطع دابر هؤلاء، ومنع حضورهم البتة، اللهم إلا مذابين داخل الجسم الشيعي العام، مدمجين في هيئات مناطقهم وحسينيات بلادهم، وبالشعائر الحسينية التقليدية. وهذا يفتقر إلى يد أصيلة تدير القضية، وقبضة شجاعة تتصدى لها، ووقفة حسينية فدائية تحسمها.

    وليعلموا أن سعيهم سبق إليه العباسيون… وكل الأمل أن يكون في القوم مثل المستنصر العباسي الذي وصل سامراء فسأل عن قبور آبائه، فدلُّوه على موضع جمعت فيه القاذورات وصار مزبلة يغطِّيها ذرق الطيور والخفافيش، فلمَّا تشرَّف بزيارة العسكريين رأى القناديل الثمينة معلَّقة، والسجَّاد الفاخر مبسوطاً، والشموع الكافوريَّة مشتعلة، والمجامر والبخور والطيب منتشر، وشذى العطور يملأ الأجواء، والروضة الشريفة مزدحمة بالزوَّار، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، يطوفون حول القبر الشريف ويطلبون الحاجات. فقال أحد الحاضرين للمستنصر: كانت الدنيا بأيديكم تحكمون البلاد وتتسلَّطون على رقاب الناس، وما خدمت الدنيا أحداً كما خدمتكم، ولا سلَّطت أحداً كما سلَّطتكم وألقت بمقاليدها إليكم، وهذه قبوركم خربة ومزابل ترمى فيها قاذورات الناس والبهائم، بينما كان العلويُّون والفاطميُّون مقهورين ومغلوبين، انزوت الدنيا عنهم، فلم تمكِّن منهم أحداً، فلا سلطان ولا حكم ولا اقتدار دنيوي. عاشوا فقراء وماتوا غرباء، وهذه قبورهم عامرة يقصدها الناس من أقاصي البلاد ويطوفون حولها ويزورونها ويتبرّكون بها وينذرون لها ويستشفعون بتربتها ويشعلون الشموع والقناديل عندها كلَّ ليل، فما أعجب هذا الأمر وما أغربه؟! فقال المستنصر: هذا أمر سماويٌّ وتأييد إلهي لا يحصل باجتهادنا، ولو أمرنا الناس به ما قبلوه، ولو بضرب الرقاب وسفك الدماء. والأعجب أنَّ أحد علماء العامة روى هذه القصة وعلَّق عليها مؤيداً قول المستنصر فقال: “هذا لا يحصل بالقهر ولا يمكن بالإكرام”…

    سيبقى الحسين بمزاره وعزائه وشعائره، وسيسقط الخامنئي كما سقط غيره، ويرحل مع العباسيين والزيديين الذين حملوا الناس على أكتاف آل محمد.

  • على أبواب المعركة في بدر، أطلق رسول الله كلمة حرِيَّة بأن تدرج في نبوءاته وإخباراته الغيبية، رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض أبداً”… تُرى، هل استشرف صلى الله عليه وآله الغيب بنور بصره الملكوتي؟ هل نظر في الجفر والجامعة؟ هل نزل عليه جبرائيل يخبره بالخطر؟ أم هي معطيات موضوعية تستقى من عدَّة المعسكرين وعديدهم، والظروف الموضوعية التي تستشرف الواقع، فتحلِّل وتستنتج؟ وهو احتمال يتضاءل حتى ينعدم، ذلك أنه صلى الله عليه وآله لم يخبر بنتيجة المعركة فحسب، بل قرأ العمق العميق لقادم الأيام، وضرب برؤيته أقصى حدود الحياة البشرية، فرآها خالية ـ لو هزموا ـ من عبادة الحق تعالى، فالراجح أنه إنباء وقراءة للغيب.تظهر علينا في الأيام الأخيرة مقالات موجَّهة ترسم مشهداً سوداوياً متشائماً لمستقبل الشيعة في العالم، تبث الهلع وتزرع اليأس، وتصنع انتحاريين تخيِّرهم بين الموت شهداء أو الموت بخنوع وذلَّة! مقالات تتنبأ بهلاك وفناء ينتظر الشيعة، ضمن مخطط الشرق الأوسط الجديد، وأن أمريكا وإسرائيل قررتا ذلك، يحكون عن انقلاب عسكري يسقط النظام في العراق، وغزو سوري يجتاح لبنان، يلتقي آلاف الخلايا النائمة هناك، تحاصر الشيعة في مناطقهم، وتقطع عليهم طرق التنقل والتواصل، وتفتعل حرباً طائفية تحملهم على الهجرة والرحيل من وطنهم فيخلو لغيرهم، أو تجرُّع الموت الزؤام! الأقلام معروفة في محابرها وأحبارها، مددها وحاضنتها، والمقالات مفضوحة في أهدافها وأغراضها، مكشوفة في أدوائها وأمراضها، غُيِّبت أسماء كتَّابها ونُكِّرت، أم عُرفت وشُخِّصت، مسيحية كانت وسنية تظهر الشفقة، أو شيعية تستبطن الدعوة للنفير العام وتستنهض أبناء الطائفة!.. لا أحد من هؤلاء قرأ في الجفر والجامعة، أو اطلع على مصحف فاطمة، ولا فطحل منهم يُركن إلى تحليله السياسي، وقدرته على استشراف المستقبل بنيت على مقدمات علمية ومعطيات موضوعية، فقد سبق أن أتحفنا أضراب هؤلاء، لنحو أربعة عقود متتالية بخداع زاحف وهراء جارف، جعل العلية والعلماء والقادة، ناهيك بالهمج والعوام، يصدِّقون أنهم سيقضون على الكيان الإسرائيلي ويصلُّون في المسجد الأقصى… حتى قضى أغلبهم في أقبية دورهم وملاجئهم في الضاحية الجنوبية لبيروت!إنَّ نهاية العالم لا يحددها نظام يترنح أو يشرف على الغرق فيحتال بكل حيلة ويلجأ لأي وسيلة… أفل من قبل البويهيون من العراق وبعض بلاد فارس، واندثر الحمدانيون في حلب والموصل، وانتهت دولة الصفويين في إيران، ومن بعدها تلاشى الزنديون، ثم ذهب القاجاريون، كما تلاشت في شمال شرق الهند، على تخوم النيبال والصين، دولة أود،،، وكل واحدة من هذه كان أصحابها وأتباعها يرون أن الدنيا ستنتهي بانقضاء أيامهم وسقوط مُلكهم! من هنا سترحل الخامنئية وتنطمس، لتقبع في أسوأ مدونات التاريخ الشيعي، بوصمة عار لم يلحق مثيله دولة شيعية مضت وحكم إمامي انقضى!ذهبت تلك الدول وستذهب هذه، وسيلحق أربابها بربهم، فيحاكمون ويحاسبون، وسيبقى التشيع محفوظاً ببقاء إمامه وحياة وليه عليه السلام، وسيمضي الشيعة في مسيرتهم وحياتهم المباركة بخير ما دام فيهم، حاضراً في أرواحهم وأمانيهم، لم يحولوا وجهتهم عنه إلى سواه، ولم يحلوا غيره في مكانه ومقامه. والأمر في حياة الدول والشعوب، وفي قيام الأُمم وانهيارها، وازدهار البلاد وإخراج خيراتها، أو انتكاسها وفقرها،،، ليس من شأننا، فهو في مبتدئه وخاتمته، أوله وآخره بيد الولي عجل الله فرجه.إنما نحن مأمومون منتظرون، رعية وأتباع، شيعة وأنصار، لنا إمام يرعانا ويقودنا، ومما صدر من الناحية المقدسة: “نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذ العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون”، وفي التوقيع الشريف: “إنَّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء”، ومن دعائه عليه السلام: “اللهم اغفر لشيعتنا من المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات”… ما دام إمامنا سالماً في مغيَّبه، فنحن بخير، كل ما هناك ألا نقطع حبال الوصل به، المتمثلة في العزاء والمزار، بما يجعلنا نعيش معه لحظاته وساعاته، حين يقوم وحين يقعد وحين يقرأ ويبيِّن وحين يصلي ويقنت وحين يركع ويسجد وحين يهلل ويكبِّر وحين يحمد ويستغفر وحين يصبح ويمسي، في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، فإذا لبينا دعوته وعشنا فجعته وكانت أحوالنا في مشاركته تحكيها الندبة “ليت شعري أين استقرَّت بك النَّوى، بل أيُّ أرض تقلُّك أو ثرى… هل من معين فأُطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأُساعد جزعه إذا خلا، هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى، هل يتَّصل يومنا منك بغده فنحظى”… فلن يمسَّنا سوء، ولن يهزمنا عدو، ما دمنا نعيش هذي الرحاب، ونستنشق هذا الأريج ونرفل بهذا الفضاء. اللهم إلا “الظلامة”، وهي السلاح الأعظم الذي فرَّط فيه القوم، فقد جعلت الخامنئية أو الزيدية المبطنة أقوى الأسلحة وأشدها، مادة للتنكُّر والتندُّر، وما ذلك إلا لأن وجهتهم هي الدنيا، والسقطة في حفرها، الشهرة والأضواء والعجب والإغواء. وبالمناسبة، فهو الخطأ الاستراتيجي الذي سقطت فيه إسرائيل نتنياهو، الذي حوَّل صورة “الظلامة” التي عاشها اليهود منذ الهولوكوست إلى الفتك والطغيان والعربدة، والذهاب في التباهي واستعراض القوة، الذي قد ينجح على المدى القريب ويفعل فعله ويحقق نتائجه، لكنه على المدى البعيد، يرسم كارثة تتهدد أصل وجودهم، وترسي أُسس انهيارهم وفنائهم!

    بعبارة صريحة وبيان واضح يستنقذ المؤمنين المستضعفين من هذه التعبئة الشريرة والمكيدة الشيطانية الخطيرة، ويتم الحجة على المعاندين: لن يكون النظام في إيران بيضة الإسلام، ولا الكيان الذي دونه التضحية بالنفس والمال والولد، وهو الذي حارب شعائر عزاء سيد الشهداء، ونال من عقائدنا ومقدساتنا وثوابتنا، باحتضان الحداثيين ورعايتهم، وأزرى بحوزاتنا ومرجعياتنا بدعم المزيفين وتغيير مناهج استنباط أحكام الدين، شوَّه مذهبنا وغيَّر محوره وقطب الرحى فيه، وهو الإمام من آل محمد، حتى إذا دارت عجلته شيئاً، وأفسح له العدو ليتقدم ومكَّنه من الهدم، صنع مرجعية مزيفة وفقاهة مزوَّرة وولاية كاذبة، ادعى نيابتها عن الإمام، وتمثيلها بيضة الإسلام!

    لن يضحي الشيعة في العالم، بل حتى في إيران، في سبيل بقاء الجمهورية الإسلامية، وهي تتخندق ضد الشيعة في آذربيجان، وتقمع لتهجِّر الأفغان الفارين من طالبان، وتصرف مئات المليارات من بيت المال على حماس والإخوان.. إنها معركة أو حرب أضرموها، سواء بغباء قرار جبهة الإسناد، أو سلسلة السياسات الخاطئة التي دفعت العالم بأسره ليقف في وجهها، ويعمل على إسقاطها. وما زالت الشيطنة وما برحت، ومنها موجة المقالات الملغومة التي تخادع الشيعة في العالم، وتمهد لدفعهم وسوقهم إلى معركتها الخاسرة تحت ظلال التهديد بالمحق والسحق الذي ينتظرهم! لا أحد سيسقط غيركم، العالم كله بات يعلم أنَّ هناك تشيعاً حركياً وثورياً أو قل زيدياً تقوده إيران، وفي المقابل هناك تشيُّع أصيل يتزعمه النجف والمرجعية الأصيلة وعلى رأسها السيد السيستاني، وما الخامنئية في واقعها إلا نسبة ضئيلة لا تذكر، وإنَّ جل قعقعتها وجعجعتها صنيعة إعلام، وقرع طبول جوفاء! ليس لكم منَّا إلا الدعاء، وهو للشعب المؤمن المغلوب على أمره هناك، لا النظام الفاسد والسلطان الجائر، فإن كان له حظ ونصيب، فهو الدعاء بالهداية إلى بعض تواضع، والنزول عن صهوة الغرور، والاعتراف بالهزيمة، والتفاوض على تخفيف الخسائر والأضرار.

  • من موارد الاختلاف التي كنت أسعى لتغييرها في السيد جعفر مرتضى، التزامه بتزكية السيد القائد وتأييده النظام في إيران، ولا أريد الخوض في نسبة الحقيقة والواقع في هذا الأمر من التقية والمداراة، لكن الأمر ـ على أي حال ـ كان يشكِّل رقماً مزعجاً للولائيين، ولعله مانعاً لبعضهم من نصرة السيد جعفر والدفاع عنه، على الرغم من انخراطه المشهود في الجبهة الولائية، واصطفافه الرائع في أكثر مواقعها وثغورها، وتقديمه خدمات وتضحيات لا ينكرها إلا مجحف. أما الاختلاف الآخر فقد كان حرصه على حسن الخلق واللين والرفق في مخاطبة فضل الله، وأن تخلو أعماله وإصداراته عن أدنى مسٍّ به ناهيك بطعن فيه، فخلَت كتاباته التي يردُّ بها على أباطيله من أي إساءة شخصية وطعن يطال سلوكه ويكشف دجله وخبث سريرته، وبيان حقيقة أنها مؤامرة شيطانية، لا مجرد اجتهادات خاطئة، مكتفياً بالنهج العلمي البحت، في تناول الأفكار وردِّها بالإبطال، وبدرجات عالية من الأمانة والموضوعية. وهو أمر يعود لطبع في الرجل وخلق، فهو دمث هادئ سمح، هشٌّ بش، يتجنب الصدام ويتحاشى ما استطاع الصراع، ثم خدمة لمشروع مواجهة الانحراف وكيفية إبطال مقولات المنحرفين، كما كان يرى ويحسب، يقول إن اللغة الحادة والخطاب الشديد يفقدنا آذان الشريحة القريبة من فضل الله، ويبعدنا عن قلوب المنخدعين به. وكنت ـ وما أزال ـ أرى ضرورة الشدَّة والحدَّة، وأن الضلال الذي بلغه فضل الله يتطلب تعريته وإسقاطه، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة”، نحن مكلَّفون بصنع نموذج “عبرة” وخلق “عوامل ردع” تحمل مَن لم يجاهر بضلالاته بعد (وما أكثرهم في الساحة)، على الكفِّ والامتناع، وترسم صورة من العقاب والسقوط الذي سيلقاه مَن يتجرأ على مقدساتنا وينال من مسلَّماتنا. ولم يكن اللقاء بيننا يخلو من إثارة لهذا الخلاف، تلويحاً أو تصريحاً، مباشرة أو إشارة، وطالما عمد رحمه الله إلى استدراك أي طعن علني يصدر مني في محضره، فيتنصل منه بلطف وكياسة، بما يشعر الحضور ويبلغهم أنَّ هذا رأي قائله فحسب، فيخرج عن الإقرار وتبعات الإمضاء.

    ولك أن تقف على حجم الصدمة التي عاشها، والضربة التي تلقاها السيد رحمه الله، في أول لقاء جمعه بالسيد الخامنئي، بعد دخوله الصراع مع فضل الله وانخراطه في جبهة المدافعين عن الزهراء عليها السلام. وكيف تلقَّاه القائد بهجوم كاسح وطعن لاذع قامع!: “ماذا تفعل يا سيد جعفر؟ ما هذا السُّباب والهراء الذي تنشره بحق السيد محمد حسين فضل الله”!؟ صُدم السيد جعفر وذهل! أدار نظره في أركان الغرفة وكأنه يبحث عن منجد ومعين، فلم يجد إلا متشفياً شامتاً أو خائفاً يختبئ في ثيابه، فأركان المكتب حضور، ولا سيما الصقور، محمدي كلبيكاني وعلي أصغر حجازي! فعاد وتوجه إلى الخامنئي: سيدنا أرجوك أن تقرأ ما كتبت، ولا تعتمد على تقارير ومنقولات؟! فيرد عليه الخامنئي بحسم وغلظة: دعك عن هذا يا سيد، وراح في الاعتراض عليه وملامته إلى حدود “التوبيخ” و”التقريع”، ما أخرج السيد جعفر عن وقاره وهدوئه المعروف به، وحمله على بسط الكتب التي ردَّ بها على فضل الله بينه وبين الخامنئي وقال: “أريد أن تستخرج لي مورداً واحداً فيه سب أو شتم، أو حتى إساءة أدب أو عدم مراعاة للاحترام، وإن كان بالتلويح من بعيد، سأقبل حتى بعبارة غير صريحة في الشتم! بالله عليك دلني على مورد واحد فقط”!

    كان السيد جعفر مسبوقاً بموقف السيد القائد، سواء مما بلغه من الشيخ الآصفي أو من السيد محمود الهاشمي وغيرهما ممن أوفده الخامنئي إلى بيروت لثنيه عن موقفه، والضغط عليه لتغييره، وكانت الوفود على اختلافها وتفاوت خطابها بين ترغيب وتهديد، ووعد ووعيد، تؤكد أن هذا هو رأي الخامنئي وموقف الجمهورية الإسلامية الرسمي، إنَّ فضل الله رقم في صميم الخط والنهج الذي تريد إيران له الرواج والانتشار في الأوساط الشيعية في العالم كله! لكن السيد جعفر، مع كلِّ هذا وذاك، كان يطمع ويتطلع أن يغيِّره، وكان يحسب اللقاء المباشر فرصة لحوار علمي يدور بينه وبين السيد القائد، يطالبه فيه بالأدلة على طعونه بفضل الله ومسببات موقفه منه، فيقدمها موثقة مسندة، فيكسب السيد القائد إلى جبهة الولاء والدفاع عن الزهراء!.. وإذا به ـ من لحظة دخوله وجلوسه ـ يجد نفسه في موقع الإدانة، وفضاء من الإرهاب الفكري لم يعرفه في حياته! لا يُسمح له بالدفاع عن نفسه ولا بالاستدلال على شيء من قوله، بل يواجه بتهمة ملفقة من جذرها حتى رأسها: رميه بالسب والشتم، والافتراء عليه بما تخلو منه كتبه كلها، التي لن تجد فيها نقضاً لهذا الأمر في مورد واحد على نحو الحصر! انتهت الجلسة بأسىً وكدر، وانزعاج وصدمة، فقام السيد جعفر بعد ما يقارب الساعة لينصرف، دون أن يتناول الضيافة ولا أن يرتشف رشفة من الشاي الذي قدِّم له، حتى أن السيد الخامنئي غمز له بأنه فهم الرسالة ولوَّح بما ينتظره قائلاً: لم تتناول شاينا؟! فشكره السيد وانصرف مصراً أن يعبِّر عن سخطه! والحق أن عدم تناوله شيئاً في بيت الخامنئي كان رد فعل طبيعي لم يتكلَّفه السيد جعفر ولا تصنَّعه لإرسال رسائل وإبلاغ مواقف، فالسيد يعيش الأُمور بتلقائية وصفاء نادرين في تلك الأوساط الملوثة والبيئة السياسية القذرة، لقد تقزز الرجل وقرف وما عادت نفسه تشتهي أي فاكهة أو شراب!

    كتم السيد جعفر الأمر وجحده، ومضى في التزامه بولاية الفقيه وإعلانه تأييد النظام في الجمهورية الإسلامية، وإن بوتيرة أضعف وأقل ظهوراً، وهو ما كنت وسائر المؤمنين الولائيين يخالفونه فيه، لكننا لم ننجح في ثنيه وتغيير موقفه العلني، حتى في أعقاب حرب 2006، حين تعرضت داره للقصف والهدم، فذهبت جهود عشرات السنين وضاعت دراسات ثمينة فرغ من إعدادها في ركام طيش أسر الأسيرين! وهو من الحالات النادرة التي رأيته يعلن فيها موقفه ويوجه نقداً لاذعاً لقيادة الحزب والجمهورية الإسلامية، يرميهم بسوء التدبير وافتقاد الحكمة، والاستخفاف بحرمة الدماء ناهيك بتقدير ميزان القوة بيننا والعدو! لكنه سرعان ما عاد للسكوت وكتم الغصَّة وإخفاء الرأي. بقي المرحوم على مُداراته للخامنئي ونصرالله، والتقية من الحزب والجمهورية، وقد همس مرة لأحدهم وهو يعاتبه ويؤاخذه، ويرميه أنه بموقفه هذا يفتتن الموالين ويغويهم ويغرِّر بهم، حين يرون منه هذه المصانعة والمداهنة! وأسهب في بيان التبعات التي يخلِّفها موقفه ويشكِّلها اصطفافه، وبلغ الأمر أن صارح السيد بالعلل التي يحتملها الناس والأسباب التي يعزون إليها موقفه، وكلها مادية مصلحية! فردَّ رحمه الله بحزن وغصَّة، فهو لم يسلم من الثوريين الحركيين ولا من الولائيين المتدينين! قال إنه لا يفكر في ميزانية حوزته ببيروت (حوزة الإمام علي، التي يتكفلها الحزب)، لا في بقائها ولا في رواتب طلابها وأساتذتها، ولا يعنيه ما يتلقاه من دعم إعلامي، ولا سيما بعد أن أسقطه الحزب عن كلِّ دور وموقع، واستعاض به تافهاً مثل الشيخ كاظم ياسين… إن الأمر في رؤية السيد جعفر يتمحور في خطر استغلال جماعة فضل الله تصنيفه “معادٍ للمقاومة”، ماذا سيبقى له من رصيد لإنقاذ الشيعة الذين تستضعفهم الأفكار ويعبث بهم الإعلام!؟

    لم يحل هذا وذاك دون استمراره في نهجه والمضي في عمله ودفاعه عن الزهراء ونصرة أهل البيت عليهم السلام. ولا نال من ولائه ودينه، فبقي رأيه السياسي بحجم دوره المحدود ونطاقه المحصور، لم يسمح له أن ينال من موقفه العقائدي ولا أفسح له ليتمادى فيسقطه في الكذب والدجل والزيف الذي عليه القوم. وما زال في هذا حتى وفاته، رضوان الله عليه.

    كل الخوف والحسرة أن نفقد قامة مثل السيد جعفر، لعمالة ابن له ظهر مؤخراً على الساحة الإعلامية، لا علم وفضيلة ولا ثقافة وأكاديمية، قطعة من نسيج النظام الإيراني بامتياز، أوكلت إليه مسؤولية “مركز نشر وترجمة وحفظ آثار العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى”. الاستراتيجية التي سيعمل بها “المركز” ترتكز على أصلين: الأول: محو رمزية السيد وعزل شخصيته عن حاضنة الولاء، إبعاده وفصله عن أوساط الدفاع عن أهل البيت ونصرة المذهب، وإلقائه في مقولات أو متاهة الوحدة الإسلامية، والقرآن الكريم، ودعم المقاومة وولاية الفقيه ونصرة الجمهورية الإسلامية! الثاني: “تنقية” تراث السيد (وجاء التعبير الفارسي بما ترجمته “ترميم”!)، وإعادة نشره خالياً من كلِّ مسٍّ بفضل الله وتيار الحداثة، تحت ذريعة نقل الخطاب إلى كليات تترفع عن تناول الجزئيات ومعالجة الحالات الفردية للشخصيات، وما يحصرها في برهة زمنية وحوادث آنية، وحتى مراحل تاريخية، من هنا سيجري تغيير كل ما يحتمل إعادة الصياغة، وحذف ما لا يحتمل! الرجل مُنح الجنسية الإيرانية، وبات يعيش في بحبوحة ورغد لم يحلم به، ورفاه ورخاء لم يعرفه في حياته، وراح يغرِّد في قفص الجمهورية ويغني على اللحن الذي تعزف، ويحلِّق في سماء الولاية الخامنئية ويسبح في الأفق الذي تريد.. لا يبالي أن يهدم ويقوِّض كلَّ مجدٍ بناه أبوه قدس سره، فيصوِّر طوداً شامخاً مثل السيد جعفر عميلاً رخيصاً للمخابرات الإيرانية، مثله مثل العمائم الحزبية التي تباع في هذا السوق وتُشترى بالأرطال وتكال بالقبان!

    في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”… يبدو أن “محمد جعفر” نشأ وقام، والويل للدين من جمعة الآلام وحج ينتظرنا بلا إحرام!

  • من الفروق الجوهرية التي تميِّز حقل المعارف الدينية الشيعية عن غيره من العلوم، دينية كانت أو تجريبية، فقهية أو عقائدية… أنها تُلحق بالعلم، في مَن يستنبط أحكامه وتؤخذ منه معارفه، شرط العدالة، فأنت تتحرَّى الأعلم في الطب لعلاج مريضك، وفي الهندسة لبناء دارك، لا يعنيك كثيراً دينه ومدى التزامه وتشرعه، إنما هو الحذق في حقله والتخصُّص والتمرُّس في ميدانه، فتقصده وإن كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان مؤمناً فاسقاً، أو منحرفاً في عقيدته، ضالاً في دينه… أما في المرجعية الدينية فلا بد من العدالة التامة، وهذا ما تقرره ـ بعد الأصل العقلي ـ جملة من النصوص الشريفة، من قبيل ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، ومطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدّوه”، بل المطلوب في المرجع مرتبة عالية من العدالة تفوق ما يشترط في إمام الجماعة وشهود التقاضي وثبوت الهلال وغير ذلك، وللفقيد العزيز السيد محمد سعيد الحكيم رؤية ثاقبة ونظرة مبتكرة، في واحدة من التفاتاته المتميِّزة، يشير فيها إلى الأمر، ويتحسس موطن الخطر، حين يقول: “إنَّ أهمية العدالة في مرجع التقليد نابعة من خطر الأمانة، فكُلَّما عظُمَت الأمانة وجلَّت، احتاجت إلى التحصين بقوَّة ملكَة رادعة عن الخيانة بنحو أقوى وآكد. ولا رادع عن التلاعب بالأحكام وتضييعها والتفريط في الوظائف الدينية المناطة بالمرجعية، إلَّا قوَّة العدالة وشدَّة الخوف من الله تعالى. فالمرجع يتعرَّض لضغوط عدَّة لا سبيل لخروجه منها إلَّا بالتحصُّن بتلك الملكَة والدرجة العالية من العدالة”.

    دعك عن أخبار الفساد المالي والتكالب على الإثراء التي تطال عدالة الرجل في الصميم، ولا سيما ما ناله وحصَّله من سرقات حزب الفضيلة، وما انتُهب من نفط البصرة بفتواه وإجازته، فكان له ـ عبر اليعقوبي ـ نصيب منها، إلى أموال الوقف الشيعي إبان تولي حزب الدعوة وحسين الشامي لها، مروراً بالبذخ الذي كان في رحلة علاجه إلى لندن ومحطة وقوفه في بيروت، من حجم الوفد المرافق إلى حقيقة الحاجة لهذا السفر وباهظ تكاليفه، وما هي إلا قسطرة عادية جداً كان يسعه إجراؤها في أي مشفى حكومي أو خاص في النجف! انتهاء بما تلقَّاه من أولاد فضل الله وحجي كاظم وعلي المحسن، حتى عرف بلائحة أسعار لكلِّ فتوى، وقيمة مسبقة الدفع لكلِّ موقف وحكم!.. دع عنك ذلك كله، فلم تُشكَّل هنا محكمة لإثبات هذه التهم، ولم يُجرَ التحقيق التام والبحث والتحري الكامل للتثبت من الدعاوى، وإن كانت الأمارات غالبة طاغية، والدلائل جلية واضحة، والآثار والنتائج مشهودة قائمة، لكننا لا نحكم ولا نجزم، ذلك أنه يكفي في خطر المقام وأهمية الدور والرتبة، وقوع الرجل في دائرة الشك ووقوفه في قفص الاتهام… وهلم إلى طامة كبرى لا سبيل للشك فيها، فقد ثبتت بالصوت والصورة عبر فيلم مصور فاضح، حين صار في نهاية المطاف وآخر طريق الخزي ودائرة السوء إلى ما انتزع منه تصريحاً ـ في سياق الحوار ـ يحوِّل ظلامة الزهراء عليها السلام من صميم العقيدة، وموقعها كإحدى أهم أُسس وركائز التبري، إلى مجرد حادثة تاريخية!

    ولا يخفى أن رصد أمرَيْ العدالة وصحَّة العقيدة (أي شرط الإيمان، إذ لا تقليد هنا) هو من صميم عمل الأمة، ودورها الرقابي تجاه المرجعية، فبمقدار الخضوع لاستنباطات الأعلم، والأخذ عنه والانقياد له في جزئيات أحكام الفقه وفروعه وكل ما يفتقر إلى التخصص العلمي الذي يفتقده العوام… فإن لهم ملاحقته في عدالته وبقائها، وفي صحة عقائده وسلامتها، فإذا عرض ما يخرجه عن جادة العدالة، وجب البحث والتثبت، وكذا إذا اختل شرط الإيمان وتضعضعت عقيدة أحدهم، وجب التوقف للفحص حتى ينكشف أمره، فإذا تبين الضعف وانكشف الخلل، سقطت المرجعية وانحل عقد الالتزام بها، وإن كان الرجل الأعلم على الإطلاق.

    ومما ينبغي الوقوف عنده وتسجيله للتاريخ هنا فلا يغفل، ما كان بينه وبين المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، في زيارته قم قبل السقوط، والحوزة في معترك التصدي لفضل الله، والأجواء ساخنة بل ملتهبة، ما تعرض له من تقريع شديد من الميرزا جواد (الذي كان يراه مجرَّد حافظ لأبحاث السيد الخوئي دون قدرة فهم، ناهيك بدقة وتعمق، بل وحتى دون ملكة استنباط!)، ما حمله حين العودة إلى النجف على حث السيد السيستاني ودفعه للتصريح برأيه واتخاذ موقف علني من القضية، لكن مشورة السيد الخرسان حالت دون ذلك، فبقي موقف السيد المرجع من فضل الله شفاهياً يبثه بعض وكلائه، ويعلنه لمن يسأله، ثم صار يسرُّه للخواص أمثال السيد علي الميلاني. وإن صدر عن مكتبه في قم جواب استفتاء يحمل إدانة في منتهى الشدة والصلابة.

    وعلى أي حال، هناك فرق جوهري بين تقدير العالم والفقيه والمرجع لطبيعة موقفه وكيفية مواجهته الضلال، وبين نفيه وقوع الضلال وإنكار صدوره من الضال المضل! فقد يختار بعضهم السكوت وعدم الجهر، فهذا له، فللفقيه أن يشخِّص تكليفه الذي سيُحاسَب عليه أمام ربه وإمامه، وتقدير الكيفية الفضلى في معالجة هذا الخطب وذاك، ولكن ليس له أن يقلب حقائق الدين ويزيِّف في مذهب الحقِّ المبين، لأي سبب كان، اللهم إلا لتقية يعرف المؤمنون وجهها، ويدركون خلفياتها، وكل هذا وذاك منتف في موقف من قبض المال وباع دينه بدنياه!

    على جميع العلماء الكرام، من بلغ منهم مقام المرجعية أو من هو في مظانها، أن يدركوا ويتفهموا ويتقبلوا، أنَّ الأمة لن تتهاون ولن تتسامح في قضية دفعت الزهراء عليها السلام جنينها وضلعها وحُرمتها ثمناً لها، فيسوِّف أحدهم في هذه التي يتزلزل العرش لأدناها، وتكاد القيامة أن تقوم ـ لو يعلمون ـ لأقل درجاتها! وأن الساحة الإيمانية بعلمائها وخطبائها ومثقفيها وكتَّابها وسائر الغيارى في أرجائها طولاً وعرضاً، ستتصدى بكل ما تملك لإسقاط من يعتدي على ظلامة الزهراء، ويفرِّط في الموقع الأعظم الذي يُعجز المخالفين ويسقط في أيديهم، وإن كان الاعتداء لم يبلغ الجحد والإنكار، ووقف عند حدود التشكيك، وما يدفع القضية من موقع التسالم والثبوت، إلى المحتمل والمشكوك، فهذا مما يلحق بذاك…

    كثيراً ما تتداول الصحف، وأحياناً الأوساط الحوزوية، أمر المرجع القادم بعد العمر المديد للسيد السيستاني، الذي يلهج المؤمنون بالدعاء لسلامته وطول عمره ودوام ظله، ولربما طرحت أسماء وروِّج لشخصيات… على كلِّ مَن يهمه الأمر من عدوٍّ وصديق العلم بأن خيار الشيخ الفياض ساقط، ولو كان على نحو المرحلة الانتقالية، تماماً كما هو خيار اليعقوبي لانتفاء العلم والعدالة، وللحزبية، وافتقاد أدنى الشرائط الشرعية.

    كل ما نرجوه، أن لا نضطر لما ينكأ مزيداً من الجراح، ويهيج مزيداً من الآلام…

  • والدة بعض أعزة أصدقائي في لبنان، ائتمنتها على داري، راحت لتتفقَّدها، وخرجت بمشاهد تحكي شتاتها بين بعل وقور ينتظر عودتها لإعداد طعامه، أو ليعاود سكنه إليها واستئناسه، وأبناء في غربة الوطن وشتات أرض الله الواسعة، وأحفاد ما عاد يسعها أن تلاعبهم، من فرط ما غلبها من الأوجاع والأدواء، والهموم، تحاملت المرأة الصالحة وراحت تؤدي الأمانة، ووافتني بصوَر التقطها هاتفها، بعيداً عن أوليات الاحتراف، لكنها كانت خاضعة لقلب وجَّه العدسة، أرغمها فطاوعته، فأبدعت.

    &&&

    ليس السرور والجمال والبهجة والكمال هو الملهم الوحيد، فلربما كانت الكآبة والأحزان والآلام والأرزاء باعثاً لينساب القلم بعد وقدة الفكر وفيض الخاطر.

    وصلتني صور ومشاهد من الضاحية الجنوبية، تكتنز غصصاً وتفيض كآبة، تنبعث منها رائحة الموت، وتجثم في سمائها كأنها تأخذ بخناق سكَّانها، وتكتم أنفاس من ينظر فيها!

    أخذتني للتساؤل: هل هي بعض الأرواح التي ما زالت عالقة هنا بين الركام تنتظر كشف جثامينها، وتشييع جنائزها ومواراة أبدانها؟ أم هي دهشة الحيرة التي وافاها هؤلاء وهم يفارقون الحياة، وفيهم أرواح بريئة لم تحمل سلاحاً ولا انخرطت في مقاومة وجهاد ولا أقحمت نفسها في أتون الدماء، كلُّ ذنبها كان جاراً سكن فوقها أو أو جنبها، في مبنى انهار تحت وطأة الجحود والطغيان والزهو الاستعلاء، قبل أن تنال الصواريخ من عمارته وتفعل القنابل في أحجاره وخرسانته. 

    ودهشة تظلل المشهد من هذا المجاهد الصريع، وقد علق في زحام الحساب وأبطأ في غمار العرض، وبقي أسيراً لقيود الراية التي انضوى تحتها ودعا عمره إليها، وهو يحسب أنه سيسقط حين يسقط في حضن حورية، ويُفتح له من برزخه باب إلى روضة من رياض الجنة، ولا سيما أنه شهد ذلك لبعض إخوانه ورفاقه، ممن لم يفقد جوهر ولائه ولا فرَّط في حقيقة إيمانه…

    حقاً لقد فاز المخفُّون، لا من حطام الدنيا ولذاتها فحسب، بل من انتساب لهذا والتحاق بذاك، عاش مؤمناً بالحق لا يعرف من الدين إلا الولاء لآل محمد والبراء من أعدائهم، لم يقحم نفسه في السياسة ولا ابتلي بالاشتراك في مخمصة الدماء، فارتحل مخفّاً ولا سيما أن الأجل عاجله على يد عدو غلبه البطش والطغيان، ينادي بصوته وطيرانه وصواريخه: أنا ربكم الأعلى، ليس لكم إلا الرضوخ أو التسليم المهين، وأن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلن يبقى سقف يظلكم دون أن يهوي، ولا أرض تقلكم دون أن تحترق من تحتكم.

    مشاهد كئيبة حكتها صوَر، فكيف بالمعايشة، لعمري أي حياة هذه وأي ممات؟ دعوني أهمس في مسامع وجدانكم وأستصرخ، بعد الهمس، ضمائركم وقد انطفأت مواطن الحسِّ وخمدت استشعارات الألم، وطفقت أجول في أزقة الضاحية وشوارع الحارة قد غلبني البهت والذهول وعقدت لساني آلام لا أعرف محلها من بدني، فكأن الوجع ينز وينضح من كل عضو، تحسب لوهلة أنك تفرغه مع نوبات التعرُّق، فيسكن وترتاح، وإذا به يهتف بالمزيد، يستنبط ويرشح ثم يستدعي الجديد… ليس لهذه الحكاية نهاية، جفَّ القلم أو انثلم، وطويت الصحف أو رفعت، لا شيء يفرق، ولا سلام في الختام. 

    ما زلت أحمل حقداً دفيناً وإرث ثأر أنتظره لشفاء غليلي من معلِّم صفعني، وأنا على مقاعد المرحلة المتوسطة التي تسمَّى في بعض البلاد الإعدادية، قد جاوزت لتوِّي العاشرة وأنا الآن أذرف على السبعين!…

    ماذا يزرع هؤلاء وماذا يرجون أن يحصدوا؟ هل يحسبون أنَّ الأيام ستمسح الدماء؟ وتطم ذكريات الدور والأزقة والحارات في ركام ما زال ينتظر الجرافات؟ هل نسوا مجازر النازية وزال حقدهم بعد قرن يكاد يطويها؟ هيهات…