منذ أمد بعيد، كنت وبعض الإخوة، طلبة ومثقفين، في محضر أحد العلماء الأعلام المشهود لهم بالفضل والتقوى، وقد دار حديث حول دعاء تُقدَّر له الإجابة، ماذا عساه أو ينبغي أن يكون في خيار المؤمن؟ لفتني أن هذا الورع الحكيم اختار “أن لا يُخدع”، لا عن دينه ولا عن معاشه، لا من حاشية تحيط به، ولا فضاء وحال يصنع حوله أجواءً تطوِّقه ونطاقاً يحاصره ويفتنه. نقلتني الكلمة وأخذتني للتفكُّر والتأمل، وما زلت في هذا منذ ثلاثة عقود على سماعها من هذا العالم الجليل. في المقابل، ومنذ عهد قريب، نحو ثلاث سنين مضت، التقيت أحد الفقهاء الأفذاذ، ممن لا يُشكُّ في علمه وورعه، كان يفخر ويحمد الله أنه لم ينشر فتوىً أصدرها في ضلال فضل الله! ويرى ذلك من التسديد الإلهي والهدي الغيبي، وأنَّ الله ساق ابنه ليحول بينه وبين ذلك بطريقة عفوية، وصدفة خير من ألف تدبير وميعاد! الرجل فوَّت مُزنة أو ديمة، سحاب ثقال بغيث غزير كان سينعش ميت حقله، حتى يخضر زرعه وتينع ثماره، ويحين حصاده: مقامات وزلفى عند الزهراء عليها السلام، طوبى وحسن مآب، والرجل فرح مسرور أن فاته ذلك كله! سهمه في كنانته، ويحسب أنه أصمى الغرض، ما برح يطرد في الفلوات والصيد في حقله، يرتع ويعبث، يرعى ويسمن، يفسد الزرع ويهلك الضرع، والرجل يرابط في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته!
من المعضلات المؤلمة في الوسط العلمائي، والأزمات المستحكمة في هذه الشريحة المباركة، شحَّة الوعي والبصيرة النافذة، ندرة معرفة حوادث الأيام وحركة الأنام، فهْم هذه وإدراك تلك، قلَّة مَن يحيط بالوقائع ويتمتع بالقدرة على تشخيص الحقائق في الحوادث، التفريق بينهما وبين الأكاذيب والمخترَعات أو الأوهام والمبالَغات، تمييزها عن التدليس والتزيين والإلباس، ولا سيما في المنبرين للقيادة والمتصدين لتوجيه وإرشاد الناس. هناك كمٌّ هائل من الصوَر المزيفة والأخبار المغلوطة والمعطيات المكذوبة، معلومات ولربما أرقام وإحصائيات واستبيانات ودراسات، ترفد حركة الذهن وتدفع جولة الفكر، لتخلق معتقدات وتكوِّن قناعات، ثم يتبين بعد حين، أن لا أساس لتلك التي بُني عليها، ولا حظَّ لهذه التي اعتمدت مرتَكزاً ومنطلَقاً! فإذا أصاب أحدهم في جزئية عابرة ومفردة صغيرة، غفل عن كليات كبيرة، حتى تكتشف نملة تحمل قضمة في فيها، تسعى بها جاهدة تجاه الشرق، كما توحي لها مؤشراتها الفطرية عن مسكنها ومستعمرتها، تكتشف أنها تدبُّ على لوح في سفينة تبحر غرباً، وتضرب في لجَّة لا قرار لها!
هنا تزلُّ أقدام الرجال وتكبو الجياد وتسقط الفرسان، إنها حفرة تعثرهم وجرف انزلاقهم، لا يسلم إلا الأوحدي، ولا ينجو إلا مَن سبقت له من الله الحسنى. السبيل الوحيد هو التسليم، ترويض النفس وتهذيبها والعمل بـ “اتقوا الله ويعلمكم الله”، ثم الابتهال والتضرع، ليصرف الله عزائم النفوس، ويأخذ ما تسكن إليه الخواطر، إلى ما يرضيه تعالى، فيصيب بها سُبل الهداية، ولا بدَّ أن يعيش المرء في الدعاء الانقطاع بصدق وإخلاص، لا يكون لقلقة لسان يخلد معها إلى “علمه” و”فهمه”، ملتزماً ما بناه على معطيات أغرت أهواءه، وأرقام أغوت غفلته وغباءه، لاقت ثقة في نفس مريضة مغلوبة، وروح سقيمة عليلة، بل وافت خرقاً وسفهاً، وغروراً وزهواً، أخذ صاحبه ليركن، وقل إن شئت تخفيف الوقع، وافت بساطة وسذاجة تحمل صاحبها على يقين الحمقى وقطع السفهاء، والأمر سواء في عزم الإقدام أو قرار الإحجام، الفعل أو الامتناع، كلها قد تقدم من غباء. والبلاء الأعظم أنهم لا يوُدون بأنفسهم ويزرون بأشخاصهم فحسب، بل يهلكون أتباعهم وينكبون أولياءهم! لن ينجو إلا من يلهج: “اللهم أرني الحق حقاً حتى أتبعه، وأرني الباطل باطلاً حتى أجتنبه، ولا تجعلهما عليَّ متشابهين، فأتبع هواي بغير هدىً منك، واجعل هواي تبعاً لرضاك وطاعتك”، يطلبها حقاً وصدقاً ويعيشها خضوعاً وتسليماً، تجعله يعرض عن أكداس متراكمة من الأماني والرغبات، وتلال من أوهام وقراءات، يحسبها أدلة وأمارات! والأمر غاية في العمق والدقة، قد ينتهي ـ بمن يريد النجاة من الاغترار والانخداع ـ إلى سدِّ كلِّ مسارب الوهم، وحجب كافة سُبل تلقي الأباطيل التي تثقل التقارير، وصمِّ الآذان عن لغو نشرات الأخبار، وشيطنات القنوات الفضائية الموجَّهة، وعبث وسائل التواصل وتهريجها، وكلِّ موجات التلقين والإملاء، ودع عنك أُكذوبة ضرورة “مواكبة الأحداث ومزامنة التغيرات”، و”الاهتمام بشؤون المسلمين”، وما يعيبون به أولياء الله من التنزُّه عن هذا اللوث، والانقطاع إليه تعالى والاستغراق في معرفته وعبادته، الذين “وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم”، ولم يبالوا من بعدُ بما يقال فيهم، فقد “عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم”، ومع هذا وإلى جانب ذاك، نفي ما يرفد النفس من الشهوات الخفية والظاهرة، والتوجُّه إلى الأئمة والتوسل والاستغاثة بهم، بصدق وإخلاص، وعشق واعتزاز.
خطأ في التقدير، وسوء في القراءة والتحليل، أضاع فرصة تاريخية، وأهدر حصَّة استثنائية، وبدَّد نصيباً موفوراً لنصرة أعظم قضية حقٍّ، والظفر بجائزة رضا سيدة نساء العالمين، وعطية بنيها الأكرمين… فكيف بأداء الخامنئي الذي دمَّر المذهب ومحق الدين؟!
في حياة هذا الدكتاتور المستبد سَنة خطيرة وحاسمة، كانت لها تداعياتها الكارثية عليه وعلى جميع الشيعة، من 1977 إلى 1978، عاشها في مدينة “إيرانشهر” من إقليم بلوجستان، ضمن قرارات إدارية لسافاك الشاه، تعالج حالات ثورية من الدرجة الثانية، يستعيض بها عن الإحالات القضائية وأحكام الحبس الطويلة، لأشخاص لا يرى لهم خطراً جدياً أو دوراً مؤثراً في المعارضة والثورة. في هذا السياق أُبعد الخامنئي إلى هذه المدينة النائية ذات الأغلبية السنية، ليعيش عزلة ويقاسي غربة، لكنه سرعان ما تكيَّف، وعاش بين أهلها واندمج في بيئتها، حتى قُبل داعية ومعلِّماً في مساجدها، وارتُضي ناشطاً يشكِّل الخلايا ويدير الحلقات! في هذه السنة المشؤومة، طبَّق الخامنئي أفكاراً آمن بها وآراءً تشبَّع منها، وعاش “تفعيلاً” ميدانياً لها في بيئتها الأصلية وأرضها الطبيعية، حتى حسب ـ حقاً ـ أن “ليس وراء عبادان قرية”، وأن تجربته الشخصية المحدودة برهان حسيٌّ مشهود على صحة الفكرة!
ومن هنا بدأت الكارثة، حين ترسخ في وجدان الرجل وصدَّق بأداء البيئة السنية في بلوجستان، وحمل ذلك على المذهب والطائفة السنية قاطبة، رآها تجربة ونموذجاً قابلاً للتعميم والاستنساخ، وأن السنيين كلهم من هذا النمط وعلى هذه الشاكلة! وهي قراءة غاية في السطحية والانفعالية، ولك أن تعبِّر بالغبية، التي تغفل دور المكان والزمان، وتفصل الأداء عن تأثير البلد والمحيط الشيعي بتاريخه الصفوي والقاجاري والزندي وحتى الحديث، وحرص الدول على هويتها المذهبية الغالبة، وهي قوام تأسيسها ومدار خصوصيتها وتميزها عن الفضاء السني الذي يحيط بإيران.
أغفل الخامنئي التقية والمداراة التي يعيشها السنة في إيران، وقفز من أدائهم ليبني فكرته عن التعاطي مع أهل السنة والجماعة كافة، وأسس لآراء ونظريات وأحلام ما لبثت أن تحولت ـ مع توليه القيادة ـ إلى واقع منفعل بل متفجِّر، فتح أبواب الخزينة الإيرانية على مصراعيها للأحزاب الإخوانية، ومكَّنهم من أدق أسرار التصنيع العسكري التي تضنُّ بها الدول على أوثق حلفائها، ثم أخذ البلاد إلى حروب قصمت ظهرها.
ناهيك بما يقاسيه الرجل من سطحية الفكر العلمي، وخلل واضطراب العقلية الاستنباطية، وتواضع الذهنية التحليلية، فإن المنفى الذي عاشه، التقى في نفسه مادة منحرفة وفكراً ضالاً تلقَّاه من مطالعات شكَّلت ثقافته الحقيقية. كان سيد قطب يحتل موقعاً خاصاً في قلب الخامنئي الشاب وفكره، وهو مَن ترجم كتابه “المستقبل لهذا الدين” عام 1966، وكتب في مقدمة الترجمة: “حاول هذا الكاتب العظيم عبر فصول هذا الكتاب تقديم روح الدين كما هي”، ولم ينقضِ إعجابه وتأثره به حتى ترجم تفسيره “في ظلال القرآن”! هكذا صنعت هذه “السنة البلوشية” روحاً متخلِّفة، وأذكت مزاجاً سقيماً، وعمَّقت نزعات شاذة عن السياق الحوزوي، نشاز عن الفضاء الشيعي الطبيعي، وقد وافى ذلك عُقَداً نفسية ومركبات نقص تسكن أعماق الرجل، فأنتج ذلك المجموع ذاتاً جانحة مضطربة، وشخصية ضالة منحرفة. فإذا ملك السلطة وتمتع بالقدرة، قاد نحو الأهوال والهلكات، وخلَّف الكوارث والويلات!
ولك أن تتأمل في إحدى هذه النتائج الكارثية: قراءة خاطئة للخلاف العقائدي، وفهم سطحي للواقع السياسي، وتحليل مغلوط لآلية صنع العقل الجمعي، حملت الرجل على دخول حرب مدمِّرة مع إسرائيل وأمريكا، مراهناً على الاصطفاف الإسلامي، ولا سيما العربي. إن هذا السير المعوج الضالع، والنشأة الجانحة والروح الملوثة، زرعت في نفس الرجل فكرة باطلة عن تطبيقات الوحدة الإسلامية، وخلقت صورة خاطئة عن حقيقة موقف مجموع المخالفين والسواد الأعظم منهم، الذي قد لا يكون معادياً، فلا تكون الأكثرية السنية ناصبية، ولكن البصير الفطن يدرك أن الدور الفاعل في توجيه العوام وتلقينهم هو للنخب العلمائية والطلائع الحركية الحزبية، وهؤلاء جلهم نواصب، بالمعنى الذي يشير إليه الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب مَن نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا أو تتبرؤون من أعدائنا”! لم يقرأ هؤلاء انتصار الثورة في 1979 فتحاً للإسلام وتحكيمه كما يحسب الخامنئي، بل سبيلاً يحمل خطر انتشار التشيع وغلبته، لذا تراهم دعموا الإرهاب التكفيري ونصروه، وفي الأقل الأدنى، فرحوا وابتهجوا بالمجازر التي كان يرتكبها ضد الشيعة في العراق، بل تراهم هللوا للضربات الإسرائيلية على إيران والشيعة في لبنان! العرب اليوم، في الشريحة الشعبية والعوام الذين شكَّلتهم النخب الدينية، من علماء وأحزاب ولجان خيرية وجمعيات قرآنية، هم الذين تعكس الفرق الرياضية ـ على سبيل المثال ـ حالهم، يسجدون شكراً عند تسجيل الأهداف، ويؤدون المباريات في حرِّ الصيف وهم صيام، وقد عزف آباؤهم عن أسماء خالد وعمر وعثمان، إلى يزيد ومروان وسفيان! تُرى ماذا غلبهم فسكنهم، واضطرم في أحشائهم حتى بلغوا هذا وصاروا في ذاك؟ كيف أُذكي الحقد في نفوسهم حتى صار سوقي مبتذل من جماهير كرة القدم، لا شأن له بالدين والالتزام، يتوعد بهدم كربلاء؟!
لم يتمتع الخامنئي بذكاء يعينه في الاستمداد من معطيات الواقع، ولم يعش فضاء أحاديث المعصومين ليحظى بقدرة ويتمتع بقراءة واعية، تستند إلى التراث، من قبيل قول الصادق عليه السلام في الصدقات: “… فإن لم تجدوا أهل الولاية، فلا عليكم أن تعطوه الصبيان ومَن كان في مثل عقول الصبيان، ممن لا ينصب ولا يعرف ما أنتم عليه فيعاديكم، ولا يعرف خلاف ما أنتم عليه فيتبعه ويدين به، وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، تعطونهم دون الدرهم ودون الرغيف، فأما الدرهم التام فلا تعطي إلا أهل الولاية. فقلت: جعلت فداك فما تقول في السائل يسأل على الباب وعلى الطريق ونحن لا نعرف ما هو؟ فقال: لا تعطه ولا كرامة، ولا تعط غير أهل الولاية، إلا أن يرق قلبك عليه، فتعطيه الكسرة من الخبز، والقطعة من الورق، فأما الناصب فلا يرقن قلبك عليه، لا تطعمه ولا تسقه وإن مات جوعاً أو عطشاً… فإن أبي نُعْم المحمدي (عبدالرحمن، التابعي الزاهد، روى عن أبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة!) كان يقول: من أشبع ناصباً ملأ الله جوفه ناراً يوم القيامة، معذَّباً كان أو مغفوراً له”. وفي حديث آخر: “من أدخل السرور على الناصبي، واصطنع إليه معروفاً، فهو منَّا بريء، وكان ثوابه على الله النار”. فتأمل في حال الخامنئي وحزبه في لبنان!
الرجل عابد لأفكار سيد قطب ومركوس في اللامذهبية، تشرَّب نهج محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغرق في أروقة السياسة وغاص في دوائر المخابرات، فكيف له أن يطال الحقائق؟ وأنَّى له التناوش من مكان بعيد؟! كل ما يعانيه الشيعة اليوم هو من قراءات خاطئة وقع فيها هذا المستبد الجاهل:
1/ حسب أن السنة سينصرونه، أو ـ في الأقل ـ سيشكرونه، وإذا بهم يبتهجون ويقيمون الأفراح لهزيمته.
2/ خاض حرباً مع إسرائيل، وهي أُمة لا تنفك عن دينها، فأقحم الشيعة في صراع ديني عسكري خطير، وهم تحت رايته الباطلة التي لا تتمتع بأدنى مشروعية.
وصدق الشاعر: لا تحسبَنْك خدعتهنَّ بخدعةٍ، بل أنت ويْحك خادَعَتْك مُناكا. كذب الغواني في سواد عذاره، فكذبْنَه في وُدِّهن كذاكا.